كانت السيدة حنة جالسة بالقرب من نار متوهجة، وعن يمينها راديو صغير كان قد أهداه إليها أحد أقربائها المقربين، ليكون تسلية لها لأنها لا تتمكن من الخروج، وكانت تضع شالاً كبيراً من الصوف الأحمر الداكن على كتفيها. وقلت في نفسي: «الوحدة والشيخوخة تنسجان أجمل انسجام. متى أصبح عجوزاً؟» ودفعت إليّ السيدة حنة بكتاب ترتيل لأشترك مع المذياع في ترتيل «في الدجى والسكون» وأخذت أرتل معها، وكنت أسمع صوتها النائي الرفيع كأنه صوت صرير التلك. ولما انتهت الترتيلة قالت لي السيدة حنة: «أنا أشعر باستياء كبير من تصرف بنات اليوم، فهن يقضين ليلة العيد في الرقص والغناء أما ميلاد ربنا ومخلصنا يسوع المسيح فلا يعني عندهن شيئاً ... ولكن أنت يا ناديا لا تنتمين لهذه الطائفة فإنّا أعرف أنك ابنة طيبة من أيام مدرسة الأحد».
ولم أشأ أن أخيّب ظن السيدة حنة بي، فبقيت صامتة استمع إلى عظة القس من المذياع وأخذت الكلمات تنفذ إلى قلبي رويداً رويداً «الحياة الجديدة ... وما تحمله رسالة الميلاد من ميلاد روحي، وتجديد في بناء النفس البشرية - وانتهى القس من عظته، وبقيت أنا غارقة في بحر من الأفكار - المرارة التي أعيش فيها - الثقة التي فقدتها في عدل الحياة ... ثم نبهني الصوت الرفيع «يا بنيتي لقد جاءتني هذه الكعكة، وأحب أن أعد لنا فنجاني شاي» فأسرعت إلى القول: «لا! وحياتك يا ست حنة! إن كان لا بد من الشاي فاسمحي لي أن أعمله.»
«أكون شاكرة لك ذلك»
وأسرعت إلى القسم من الغرفة الذي جعلته الست حنة بمثابة مطبخ صغير، وما أسرع ما انهمكت في إعداد الشاي، وكان سهلاً عليّ أن أستدل على مكان الأدوات، فكل شيء مرتب في مطبخ الست حنة. ووضعت الماء على البريموس وعدت إلى مجلسي انتظر ريثما يغلي الماء. وعندها قُرع الباب.
وأسرعت لأفتحه، وكان الاستغراب قد بدأ على وجه السيدة حنة لقرع بابها مرتين. وإذا في أمامي شاب طويل القامة، أسمر الوجه.
«مساء الخير. هل السيدة حنة هنا؟»
«نعم» ودخل الفتى ورائي وجه السيدة حنة وهي تحدق به كأنها تريد أن تتأكد من شخصيته. وسار هو حتى وصل إلى مجلسها باسماً. ولما اقترب منها هتفت بصوتها الرفيع
الذي خنقته المفاجأة «كمال! ..»
«نعم! بعينه»
وقامت السيدة حنة من مجلسها، ومدت ذراعيها لتعانق الشاب الذي دخل الغرفة، ولم أستطع أنا إلا أن ألحظ المجهود الكبير الذي بذله الشاب وهو يسمح للعجوز أن تقبله وتضمه إليها «ما أجمل هذه المفاجأة يا كمال. متى عدت يا خالتي؟» ولكن كمال التفت إليها وقال: «ولكنك لم تعرفيني على الآنسة.»
«آه ... حقاً! إنها ناديا سلامة. قدمت لتؤنس وحشتي. والتفتت إليّ: «إنه ابن أختي الدكتور كمال السعيد.»
وهنا مد الشاب يده محيياً إياي ومعرباً عن شكره لزيارتي لخالته في ليلة الميلاد. وبقيت أنا صامتة دون أن أصرح بأن قدومي كان ليخفف عن كآبتي أنا، وسمعت صوت الماء الغالي يدعوني، فوجدت أن أفضل حل لموقفي الحرج أن أهرع إلى الشاي أنهي بإعداده وسمعت صوت السيدة حنة وهي تثني عليّ ثناءً جميلاً، ولكن أنا! تذكرت الثوب الجميل، والشعر المصفف، بل رائحة الجويا.. ورنت في أذني الكلمات الثلاث: «جي، ذكي، ثري» وشعرت كأني أرتكب خطأ إذ تجمعني الصدفة بهذا الشاب الذي كان ينتظره البعض في فندق الأمل، وأخذت أقول في نفسي: «لن تصدق جميلة إن ذلك كان من صنع الصدفة العمياء. لماذا كذبت على جميلة وقلت لها أني ذاهبة إلى النادي الرياضي.»
وبعد أن شربنا الشاي وأكلنا من كعكة السيدة حنة والحلوى التي جاء بها الدكتور كمال عزمت على العودة، وشكرت السيدة حنة على حسن ضيافتها وهنا أبدى الشاب رغبته في أن يرافقني لأن الليل أمسى متأخراً. وأثناء عودتي حدثني الفتى عن عيد الميلاد في أمريكا واهتمام الناس البالغ به هناك. وفجأة قال لي إنه يجب أن يتعرف على أفراد عائلتي إن كان لا مانع عندي.
وجمدت في مكاني، وشعرت بأنه يستحيل عليّ أن أخبره أني وحيدة، فأنا بذلك أشير إلى ناحية خاصة جداً من حياتي، ولا مبرر لإثارة عواطف الشفقة في شاب غريب في هذه اللحظة. آه ... متى أصل إلى غرفتي وأعود إلى وحدي وأنا لن أهرب منها ثانية، فهي مهما كانت قاسية، أنها على الأقل لا تجرحني بمثل هذا الموقف، وأجبت بكلام غير واضح، وعند البوابة السفلى قلت للفتى: «تفضل»
لا. أشكرك! يسرني جداً أن أتعرف عليك وسار الفتى. وأخذت أنا أصعد السلام،
وكان في قلبي شوقاً شديداً إلى غرفتي المتواضعة ولما التحفت بحرامي الرقيق، وأخذ النعاس يتسرب إلى عيني أخذت أحس بشيء من الاطمئنان، وكأني وحدي حصن منيع. حصن منيع من أي شيء؟ من أي شيء. آه ... لست أدري ... بل أنا لا أجسر أن أدري.
ولكنني أذكر جيداً الآن، إني قبل أن أسرح في مملكة النوم سمعت البوابة السفلى وهي تفتح وصوت جارتي جميلة وأخيها أسعد العائدين من حفلة «الأمل».
وفي الصباح جاءت جارتي جميلة وحدثتني عن الحفلة الرائعة، والتي حضرها عدد من القناصل والشخصيات المعروفة، وما كادت تخرج إلا قُرع باب غرفتي ثانية وقال لي الدكتور: إن خالته أرسلته ليحمل إليّ مني هدية صغيرة. وحرت في أمري ودعوت الشاب إلى غرفتي. فدخل وتشجعت وطلبت منه أن يجلس على مقعدي البالي، ففعل ذلك. وفتحت أنا هدية خالته ولما رأيتها تأكدت جيداً أنها لم تكن من خالته فهي جزدان وزوج كفوف من الجلد الثمين ... ومن صنع أمريكا وكنت أصلي في قرارة نفسي ألا يسألني عن أفراد عائلتي، ولكي لا أتورط في مثل هذا أخذت أسأله عن عمله؛ وأخذ هو يحدثني بلذة عن الأمراض العصبية، والاهتمام البالغ بها في العالم الجديد.
ولما خرج شكرته جداً وشكرت خالته على تلطفها بإرسال الهدية لي، وتقديري الشديد لها، وعندها طلب مني أن أتحفها أحياناً بزيارتها، ووعدته أن أفعل ذلك.
ولما اختفى عني دخلت إلى غرفتي وأنا أسمع الصوت القديم ... «إنه يعلم أنك وحيدة ... وأكبر دليل على ذلك، إنه لم يكرر إبداء رغبته في التعرف إلى أفراد عائلتك.» وسرت في نفسي رعشة من الألم حين أحسست كيف تشب النار في قلبي ... لماذا ... لست أدري ... بل أنا أخاف من مواجهة الحقيقة.
آه ... إني وحيدة ولكن وحدتي من ذلك اليوم تزيلها أشعة ملونة جميلة، كتلك التي تزين أطراف الغيوم. ما الذي ملأ وحدتي وجعلها كشجرة مثقلة بالثمار ... ألعلي لست أدري؟ ولكن لا! فلم تترك هذه الكلمات مجالاً لذلك.
«إن فرحاً ونشوة يمتلكاني حين أذكرك - هذا وإني أذكرك دائماً.»
الناصرة - فلسطين
