ليست من الحلوى فتؤكل . ولا من ادوات الزينة فتعرض . ولا من الحلى فتلبس بل هي مجموعة ذكريات وعواطف كونها تبادل الصداقة الخالصة أرفعها اليوم مشفوعة بافضل التحيات الى صديقتي الحميمة ابنة بلادي .
عزيزتي . لا يُطاوعني القلب على ابتياع تحيتي اليك في مطلع هذا العام الجديد بمال اقتنيه قد لا يكون هذا المال قد استقطر من دماء قلبي او عرق جبيني ، او مآقي عيوني قطرة واحدة .
لا ! لا أتجاسر على التقليد فأدوّن عطفي عليك كما تدون العادة المتبعة او الغاية الشخصية تحبباً ، وتزلفاً ، وتملقاً على قطعة من البرونز ، او الخشب ، او الفضة او الذهب .
ليس في هذا الكون الواسع الغني بمحتوياته الثمينة وموجوداته البهجة شيء يمكن ان استعين به للتعبير عن العاطفة الفياضة التي تملأ نفسي الآن وانا امسك القلم لأرسل تحية العيد حسب عادتي ، الى الصديقة التي شبكت روحها بروحي فشاطرتني حلو الحياة ومرها في حالتي البعد والقرب .
وماذا عساني أقدم لك يا صديقتي من هدايا العيد وانت الغنية بمالك وبروحك سوى تمنياتي الخالصة وهذه النقطة الحارة التي تخطها انفاسي على
هذا القرطاس والتي ستضيف الى سلسلة الفضائل الخالدة حلقة أخرى تشهد أبد الدهر لبنات بلادي بما للصداقة الصادقة من التأثير السامي في اخلاق البشر ورقيهم ...
احمد الله الذي امدّ بحياتي الى هذا اليوم الذي فيه ارفع الستار عن الكنوز النفيسة التي اتصلت اليّ من ينبوع الصداقة الصافي فازفها اليك هدية للعيد .
فيا ابنة بلادي ثقي ان لا شيء في هذه الحياة يوازي اللذة التي تولدها الصداقة الخالصة لنا خصوصاً نحن النساء . ان قلب المرأة ضعيف ، وشبكة نفسها حساسة وفي عمل دائم تنقل الى جوارحها اللينة لطمات الطبيعة القاسية وجمود الانسان الظالم ، فاذا لم تُمنح هبة الصداقة اكتنفتها ظلمة مدلهمة من اليأس والشتاء .
اني اوصيك يا عزيزتي - ولعلي اولى منك بهذه الوصية - ان تحتفظي بالصديقة التي امتزجت روحك بروحها ولا تسمحي للوشايات بان تعكر عليك هذا الهناء الذي شعرت به بقربها ولو مرة في الحياة .
ان الصداقة شيء سماوي مقدس
واني اجلك عن ربط علاقتها بأي رجل او امرأة الا لتلبية ذلك النداء الداخلي - والجاذبية العليا - ذلك السر الروحاني الكائن وراء الالفاظ وتعابير اللغة .
فاذا كانت السماء قد وهبتك هذه الصداقة او الارتباط الروحي فحرام عليك ان تدوسي روح الصداقة بتفاهة واردة ، او هفوة غير مقصودة . لان حبل الصداقة متين اذا دام فتله ، نحيف اذا قصد حله يتأثر لاقل موجة باردة تبعثها اناس الصديق المحبوب .
يُخيّل اليّ اننا في هذه الايام نسعى لان نتعلم كل شيء ، ونترقى في السير ، والوقوف ، والكلام ، والقراءة ، والفنون ولكننا لا نريد ان نتعلم الحب المتنزه النقي ، الطاهر... ذلك الحب الذي هو جوهر الروح وجميع قوى الروح تناديه باصواته المختلفة . ان في ينبوع الصداقة كنوزاً لا تعد وخيرات لا تحصى وكل من اختبر الصداقة عرف انها لا تقاس ولا تكال ولا توزن . وان الذي يحب صادقاً يحب بكلية قلبه وروحه وبمجموع قواه وافكاره .
يا ليت مجال هذه الصفحة الضيقة يسمح لي بتوفية الصداقة حقها فاذكر بعض الشواهد اللامعة في التاريخ عما احدثته الصداقة من التأثير السامي في حياة البشر . ولعلي اعود الى هذا الموضوع في فرصة أخرى فاحدثك عن صداقة «تنسن» لارثور هلام وعن تلك القصيدة الخالدة التي نظمها له بعد موته . وعن حب « دانتي » الطاهر لبياتريس - ذلك الحب الذي هو المثل الاعلى الذي تستقي منه الشعراء اوصافها وخيالاتها . وعن صداقة براوننج لزوجته المريضة وكتاباته المؤثرة التي ألفها على قبرها ووقعها لاحياء اسمها .

