ما أجهل الناس وما أغباهم في نبش سريرة غيرهم !
هكذا فكرت الآنسة وداد في سهرة عيد الميلاد . لقد أضنوها في ترديد ملاحظتهم الباردة نفسها طيلة السهرة : « مدموازيل ، يظهر أنك غير مبسوطة الليلة ! » لقد ضحكت عليهم في سرها إذ من ذا الذي أخبرهم أنها تعيسة الخاطر ؟
مساكين .. لقد كانوا هم في عيدهم وهي في عيدها . لقد كان باطنها مختمراً ببهجة مقنعة : ففي الصباح التالي ، صباح الميلاد ، سيأتي حبيبها « جان » لزيارتها بعد غياب سنة كاملة . وسيذهبان معاً في رحلة طويلة يقضيان النهار حيث يطيب لها الجو ويحلو الجلوس . ألم يكن هذا الخيال الرومانطيقي الجامح المتنقل بين الجنائن الغناء ، والمياه الجارية ، وأنوار السينما ، وظلام السينما ، وازدحام الشوارع ، ورونق الناس المعيدين ، وبهرجة الدكاكين ، ورقص الراقصين ، وأكل الحلوى ، وتأبط ذراع جان كافياً في أن يلهب نفسها بصور ملونة تقضي على عقلها حلة قشيبة من اللذة الداخلية ؟
إلا أنها بدت منقبضة !
نعم بدت منقبضة لأنها تضايقت من محاولات ذلك المجتمع العائلي القديم الذي أبى إلا أن يعيد تلك التقاليد القديمة سنةً بعد سنة منذ مئات السنين .
يا لله ، ألا يملون ولا يشبعون من إعادة ذلك الفصل العتيق ؟
شجرة عيد الميلاد هي هي لم تتغير عن السنة السابقة . فالأضواء التي تشع فيها الآن ركبت عليها كما ركبت قبلاً . وتماثيل الجنسين التي وضعتها أمها في العام الماضي وضعتها هذه السنة أيضاً . فلا ترى عليها سوى تماثيل صغيرة كالتي يلعب بها الأطفال : من رجال بلحى طويلة إلى بقر وماعز وكلاب . وكذلك أيضاً زينة غرفة المقعد ، لم تتغير قيد شعرة عما كانت عليه منذ عام ، نفس الأوراق الرقيقة ، الملونة ، الكثيرة الثقوب ، المسننة الأطراف علقت على الحيطان وقدت على الخيوط . ثم أن التراتيل الميلادية لم تتغير أبداً . تلك التراتيل التي نظمت منذ مئات السنين والتي كانت ترددها وهي لا تزال في المهد يرددونها الآن ويطربون لها . وطريقة توزيع الهدايا أيضاً لم تتغير : يلبس والدها تلك الثياب الحمراء الغريبة كأنه مهرج من مهرجي الصين ويدور على كل شخص بفرده مقدماً الهدية ، حتى إن المدعوين لم يتغيروا أيضاً : بيت عمها وأولادهم ، بيت خالتها ، بعض أفراد الجيران الكبيري السن القديمي العقلية .
ما هذه الطقوس الزائفة ؟ فكرت المدموازيل وقد بدت منقبضة أكثر من ذي قبل .
أهذه هي دنياهم ؟ كأنسان راكب دولاباً يدور ويدور ويرجع إلى حيث ابتدأ أولاً ؟ !
لا بأس .. فلنصبر هذه الليلة .. لا بد أن تنقضي هذه الساعات القليلة .. ففي الصباح الباكر سيصل « جان » ترى
هل تغير هذه السنة ؟ أي متى يأتي ذلك الوقت السعيد الذي فيه تقابله ؟ والذي فيه ترى أية حلة قد لبس استعداداً للقياها ؟ ترى ماذا ستكون الكلمة الأولى التي سيقولها لها حالما تنتصب أمامه ؟ ترى أيقول لها : « كم تبدين جميلة في ثياب العيد » ؟ أم « أنا مشتاق لك جداً ، يا وداد بعد هذا الغياب الطويل ؟ » أم ماذا ستقول له هي ؟ من المرجح أنه سيرتج عليها وتقف فاتحة فاها لا تعرف بماذا تبتدى . ترى إلى أين يذهبان وأي منهاج يتبعان ؟ إنها مستعدة أن ترافقه إلى حيث يشاء . وبدون شك سيرويها بشبابه الغض ، بأحاديثه المضحكة ، بحركاته المبتكرة . آه ، كم قضيت وإياه من الأوقات السعيدة وكم تمتعت معه بارتشاف رحيق الحب الصافي . إلا أن الزمان ظالم لا يبالي بالمحبين فأبعده عنها . أما الآن فسيعود ... نعم ، سيعود مع عودة الشمس عند الصباح .
وانتظرت ... وانتظرت وتلك السهرة لم تنته بسهولة ، أفواه حولها مفتوحة كأوكار الفيران تتصاعد منها أصوات متنافرة من أحاديث وأغان وقهقهات عالية . كلمة واحدة باردة يلفظها أحد الثقلاء كافية لأن تثير موجة من الضحك مداهنة ورياء .
أما الآنسة وداد فلم تجد روح النكتة في كل ما حولها ولم تبتسم . لقد كانت بعيدة عما يحيط بها متمتعة بدنياها الخاصة ...
وفي الصباح الباكر نهض أفراد العائلة باكراً مهللين مرتلين مرحين . والآنسة وداد ، أيضاً قابلت نهاراً مختلفاً عن بقية النهارات . فاجتماع العائلة ، ومسابقتهم في معايدة بعضهم البعض ، وهرج إخوتها الصغار ، ولعبهم بألعابهم الجديدة ، ثم

