رائحة الطعام في المطبخ، وزينة البيت، والثياب الجميلة، كلها لم تكن الا منبهاً لحواسها بقرب وصول حبيبها «جان». بدون شك سيكون نهاراً منشوداً بكل معنى الكلمة.
وبعد تناول الفطور واكل الحلويات راح كل فرد من العائلة يعتني بظهره بتأن زائد استعداداً للذهاب الى الكنيسة. ترى، أنذهب هي للكنيسة؟ راحت الانسة وداد، تسائل نفسها ماذا هنالك؟ سيعيد القسيس تلاوة نفس تلك القصة التي صارت تعرفها جيداً: طفل يولد في بيت لحم في مذود للبقر، ملائكة تغني: المجد لله في الاعالي وعلى الارض السلام وبالناس المسرة، رعاة متبدون يجرسون مواشيهم، مجوس من المشرق يأتون بالهدايا ... هل هنالك اكثر من اعادة تلك القصة القديمة وترتيل نفس التراتيل، وصلاة طويلة تمل منها؟ كلا، الاحسن ان تبقى في البيت تنتظر وصول جان.
وجاء بريد الصباح: برقيات تهنئة، بطاقات معايدة، تحرير لوالدها، تحرير لامها، جريدة، مكتوب باسمها هي! ففضت الغلاف بيد مرتجفة ... امضاء جان!
«عزيزتي وداد
«لقد فكرت ملياً في مسألة زيارتي لك يوم عيد الميلاد، الا انني في النهاية وجدت انه من المفضل ان لا اذهب واثير الشبهات وكثرة تطفلات الناس. الاجدر بنا ايضاً، يا وداد، ان نكون حكماء ونجرّب ان ننسى بعضنا بعضاً كيلا نثير الان بقايا حب صبياني قديم ...
لم تقو وداد على انهاء قراءة الرسالة فتلك الكلمات دخلت رأسها كمثنين صفارة الانذار. لقد طنّ رأسها فعلاً
بأصوات متضاربة مزججة. وركضت الى غرفتها. وقبل ان تصلها انفجرت باكية بشدة. وما ان دخلتها حتى انبطحت على سريرها ممثلة أيضاً ذلك الدور القديم الذي تمثله كل فتاة منيت بخيانة الحبيب. وبكت كارثتها بحرارة منزلة دموعاً حارة بللت بها الوسادة ...
عالم خائن ... لا يصدق فيه احد ... عالم شرير ... عالم كاذب، عالم جان مجرم. الى من تشكو همّها؟ لمن تحيا بعد الان؟ هل هنالك انسان واحد في الوجود يشاطرها احزانها على الاقل بعد ان كذبها ذلك الشخص الذي وهبته كل ما وهبها إياه الله. ذلك الشاب الذي نصبت منه رمزاً مثالياً للرجل الاكمل.
ودق جرس الكنيسة القوي الرخيم. في ذلك الصباح ولد المسيح، رسالة الله الى بني البشر المتألمين. فكرت وداد ووجهها مطمور في ثنايا الوسادة الناعمة.
نعم ولد ذلك الاله بصورة انسان. ولد ولا يزال حياً يضم الى صدره كل متألم ظلمه هذا العالم الفاسد المتخبط بالشرور.
إله ولد في مذود للبقر ليس كهذه الشبيبة العصرية المنفوخة التي لا تجلس الا في الدرجة الاولى امام الناس وتأكل خبزاً وزيتوناً في بيتها. كلا ولد في موضع حقير لكنه آمن، بسيط، محاط بسلام ورفق ومحبة. رعاة بسطاء متبدون يجرسون اغناماً ومواشي، قلب اطهر من قلب الانسان. ايضاً الملائكة بثيابهم البيضاء يوفون بانغامهم السماوية ويحيطون بذلك الطفل المقمط، مبشرين العالم بمجد الله ومحبته.
لقد راقت تلك القصة القديمة الان للآنسة وداد بينما كانت عيناها طافحتين بالدموع وفي اذنيها طرطقات المطر القوية على ألواح شباكها الزجاجية.

