يحلم به الفنان ، ولو مصغرًا ، ففيه اناس يشترون اللوحات بأثمانها ، وفيه اناس يهتمون بالفنون الجميلة ويقدرونها ، وفيه فنانون موهوبون « منهم اعلام » في فنهم ، وفيه فوق هذا كله طبيعة مفعمة بالروعة ، مليئة بالحياة مشربة بالالوان تثير في النفس روح الفنان الكامنة . ولكنها لم تجد في لبنان ( ويا للاسف ) متحفًا واحدًا يحفظ لنا نتاج الفنون الجميلة ... واي بأس يا ترى ! الا يكفي المسؤولون ان في لبنان بناءً ضخمًا جميلًا من الحجر المتين الناعم يحفظ لنا بقايا قطع خزفية ... آثار ابريق او وعاء كان يستعمله احد الفينيقيين ليروي منهُ ظمأه او ظمأ ماشيته ... او لامر آخر ! ...
أليس في لبنان متحف شاهق الاعمدة ، في داخله نماذج هزيلة يتلهى
بها الناس ويستعينون على ادراك اعمال لا تزال حية في بعلبك وفي بيت الدين ! ... ومن يدري فقد يجد اللبنانيون متحفًا خاصًا للتصوير يوم يمضي على لوحاتنا الفنية وعلينا من الزمن مثل ما مضى على اولئك الذين شربوا من وعاء خزفي .. ودفنوا امواتهم في توابيت من رصاص ... عندئذ ، ياقارئي العزيز ، سيأتي الناس ليتفرجوا على « هياكل » لوحاتنا ، كاملة او ناقصة ... او في نماذج من الجص ... كما نذهب نحن اليوم نتفرج على قطع من عظام لحيوان منقرض ظنوه انسانًا ! ..
او قطعة من حجر ظنوها اثرًا ذا قيمة ! ...
سوف لا أسهب في الكلام على فن السيدة زغبي ولكنني انوه سريعًا بانه في غالبه فن زينة وتنميق (Decorative) فهي تحور المنظر بكامله كي يلائم شعورها برقة الترتيب ودقته ولذلك نراها مغرمة بتصوير الازهار ، بل قد نقول انها متخصصة بذلك النوع من التصوير ... اذ انها بدأت منذ سنوات قليلة تدرس العبيد واشكالهم ومن اجل ذلك قطنت شمال افريقيا ودكار مدة من الزمن تدرسهم درسًا مباشرًا بدت نتائجه في بعض اللوحات التي عرضتها علينا .
انها في هذا النوع ، الزينة ، من التصوير قوية مجيدة حقًا ... دقيقة التركيب والانسجام ذات انطباقات حية مؤثرة .
سوف تتركنا السيدة زغبي الى نيويورك حيث تقيم معرضها المقبل بدعوة من بعض اصدقائها هناك . ومن ثم لا تعرف تمامًا الى اين سيحط بها ركابها ، الا انها ترغب في العودة الى باريس . وسوف تمضي معظم اوقاتها في الارجنتين كما اعتقد ، حيث قد تستقر بها الايام لتحيا حياتها المديدة ، التي نرجو الله ان يحقق لها فيها آمالها ورغائبها .
واذا ما ذكرت السيدة زغبي في المستقبل ، ولا شك ذاكرها ، فسأذكر معها بدل الفنانات فنانين امثال غوكان وروسو ... بل قد لا اذكر معها احدًا قط ... واغلب الظن ، بل من الاصح ، ان لا اذكر الى جانبها احدًا ! ...

◆◆٢٧