قرأت في الصحف وسمعت من على المنابر اقوالاً عديدة حول وضعية الفلاح والزراعة في البلاد العربية، ولكن هذه الاقوال كانت تذهب ادراج الرياح لان الكثيرين تعودوا عدم الشعور بالمسؤولية تجاه الاخرين وعدم الاستعداد لتضحية ملذاتهم في سبيل المجتمع الانساني وعلى وضع اللوم دائماً على الحكومة غير مدركين ان الحكومة لا يمكن ان تقوم وحدها بهذه المسؤولية اذا لم يكاتفها الفرد. رأت كل فتاة بأم عينها ان لا صلاح الامة بدون اصلاح الفلاح وانه من المستحيل ان نسير بالامة الى الامام وفصل القرية. شعرت كل واحدة منا انه من الحرام علينا ان ندع المشاغل والمتاعب والجهل والحرمان تخنق فيه شعلة الفهم والادراك. وان من واجبنا حمل مشعل النور من المدينة الى القرية.
فان اول ما يصطدم به الباحث في حياة المدينة والقرية، انما هو احتقار المدني للفلاح فنحن ننظر الى هذا الفلاح شذراً بعين لا ترى فيه غير ثمالة اهملتها التقادير على قارعة الطريق. ان المدني لا يحتقر الفلاح لكونه مدنياً والثاني قروياً ومنبت اكثرنا من القرى والجبال انما علم المدني وجهل الفلاح هما اللذان يشقان الثغرة بينها - لذلك رأت كل واحدة منا ان من الضروري رفع الفلاح الى مستوى المدني لسد الثلمة بينها، وان ذلك ليس بالمستحيل اذ قد خطت بعض القرى شوطاً بعيداً في التمدن مما شجعنا على السير في هذا المشروع.
ولما كنا نؤمن بان تحضير القرية يتطلب تضحية من قبل الشبيبة الراقية عقدنا النية على ان نكون اول المتطوعين في هذه الخدمة الانسانية لنقل الدواء وحمل رسالة المدينة الى القرية.
في السنة الماضية (١٩٤٦ - ١٩٤٧) عقدت اعضاء (جمعية المشاريع الخيرية) في الكلية الاميركية ببيروت ومعلماتها اجتماعات متعددة بحثنا في اثنائها النقاط المذكورة اعلاه. فتم الاتفاق على اقامة مخيم في «عين يعقوب» ولكن مشروعاً كهذا يتطلب نفقات باهظة ومن اين لنا المال الكافي؟ - اخيراً قررنا ان
نخصص القسم الأكبر من ربع الحفلات التمثيلية الخيرية التي نقيمها سنوياً بهذا المشروع الخطير ومن حسن حظنا لاقت الرواية العربية «قيس ولبنى» التي مثلناها نجاحاً عظيماً وذلك بعد تضحيات عظيمة وجهوداً جبارة من قبل اعضاء الجمعية الخيرية والممثلات.
وكان نتيجة هذا النجاح اننا تمكنا ان نجمع الدراهم اللازمة لنفقات مخيم اقناه في قرية «عين يعقوب» (احدى قرى عكار) لمدة ستة اسابيع من ٢٣ حزيران لغاية ٧ آب سنة ١٩٤٧ (هذا مع العلم ان كل فرد من المتطوعين والمتطوعات كان يدفع من جيبه الخاص اجرة طعامه ونفقات الطريق).
اما الذين اشتركوا في هذا المشروع فكانوا طالبات «الجونير كوليدج» ومعلماتها وخمسة من طلاب الجامعة الاميركية ثلاثة منهم طلاب طب - والدكتور اوانتر وزوجته وابنه.
حال وصولنا الى القرية اجتمعنا بمختار القرية - الذي وجدنا فيه الرجل المستعد لمساعدتنا وتأييد مشروعنا - وبعد ذلك اخذنا نزور بيوت القرية لنتعرف الى سكانها وندرس بعض مشاكلها - ولا يمكنكم ان تصوروا فرح سكان تلك القرية بقدومنا وترحيبهم بنا ترحيباً كله اخلاص ومودة.
المشكلة التربوية
كان اول ما استرعى انتباهنا في اثناء مقابلتنا للمختار والزيارات التي قمنا بها هو النسبة المئوية العالية للامية المتفشية بين سكان القرية وما جعل المشكلة في تلك القرية مزدوجة حرمانها من المدارس حرماناً تاماً - مع ان اكثر قرى لبنان لا تخلو من مدارس ابتدائية للبنين، مما يجعل الحالة في لبنان على وجه العموم افضل من سائر القرى في البلاد العربية. اما الحالة في قرية عين يعقوب فلم تختلف عن قرى البلاد الداخلية.
ومن حسن الحظ رأينا ان البعض من سكان القرية الراغبين في العلم يذهبون يومياً مشياً على الاقدام الى قرية مجاورة تدعى «يزبينا»
حيث توجد مدرسة ابتدائية.
وكل كنا نعلم حق العلم انه بحرمان الفلاح من القراءة والكتابة نحرمه بلا ريب من اهم وسائل التقدم وانه من الضروري ان يتعلم كل فلاح ذكراً وانثى القراءة والكتابة، وان بعض الجهود في نشر التربية الريفية منحصرة في تربية الرجل واهمال المرأة اهمالاً تاماً، قررنا ان نفتح مدرستين واحدة للذكور واخرى للاناث. ولكن من اين لنا ان نجد مكاناً مناسباً لمدرستين، فبيوت القرية صغيرة وعددها محدود تكاد لا تتسع لسكانها، اخيراً قررنا ان نكون مدرسة البنين تحت الاشجار اما مدرسة البنات فقد تبرعت احدى قريبات المختار بتقديم بيتها، (على ان نبقى ساكنة فيه). اسندنا امر العناية والاهتمام بمدرسة الصبيان لطلاب الجامعة المتطوعين معنا في العمل، اما نحن (اي معلمات وطالبات الجونير كوليدج) فقد اخذنا على عاتقنا الاهتمام بمدرسة البنات وتوجيه العناية نحو تربية المرأة القروية.
فكانت مدرسة الاشجار تضم ٩٠ طالباً تتراوح اعمارهم بين السنة السادسة وبين الاربعين، (٧٠٪ منهم اميون).
ومدرسة البنات كانت تضم ٧٥ طالبة، تتراوح اعمارهن بين الخامسة والثلاثين - بينهن متزوجات (٩٠٪ منهن اميات).
ان الزيارات التي كنا نقوم بها لبيوت القرية للاطلاع على مشاكلها واحتياجاتها ساعدتنا على توجيه العناية نحو تربية الراشدات اعتقاداً منا ان التعليم الامثل هو الذي نكون فيه الاعمال المدرسية وحياة البيئة متماثلان وان مادة التدريس يجب ان تلائم حاجات القرية.
رأينا بأم عيوننا ان البيت في القرية هو بحاجة ماسة الى عناية من شأنها ان ترشد الام والفتاة البالغة الى كيفية تدبير المنزل وتربية الطفل والاعتناء بصحة الاولاد والى ما هنالك من الشؤون البيتية، لذلك خصصنا اوقات بعد الظهر لمساعدة الامهات والبالغات في السن حيث كانت تقام صفوف خصوصية لتعليم الحياكة والاشغال اليدوية، وسماع محاضرات عن تدبير المنزل، والعناية بالطفل، ومحاضرات طبية مع مشاهدة صور متحركة تعليمية، فكان الاقبال على هذه الصفوف عظيماً جداً.
فقد تبيّن لنا انه من الضروري جداً الاهتمام بتربية البالغين في السن، لا تقام عمل مدرسة القرية لان التربية لا تنتهي بالمدرسة بل هي ترافق الحياة وتستمر باستمرارها.

