قد اكون غير مغالية اذا قلت ان المثل العربي القديم الذي يقول « غزل عراقي ودلٌ يمانٍ » ، هذا المثل ، بشقه الاخير ، من اصدق ما تمثّل به العرب على الاطلاق . فما اخال في البلاد العربية امرأة تنافس المرأة اليمانية في غلبة الدلال على حديثها وحركاتها وسكناتها .
وهذا الدلال طبيعي لا تتكلفه اليمانية ولا تتعمده ، كما انها لا تعرف التكلف في شيء . وهي طيبة العشير ، صادقة الالفة ، مخلصة الود . تُقبل ، اذا صادقت ، على صديقتها اقبالاً لا تنقلب به عليها
وهي حلوة الحديث ، سمحة الطبع ، رقيقة الخلق . وقد تخرج في حالة السرور الى حد المرح . ولكنها لا تخرج ابداً في حالة الغضب عن حدود الاناة ، والهدوء ، والاسلوب المهذب .
...
وهي كسول ، حتى في اداء واجباتها المنزلية ، اذ كثيراً ما تُهمل هذه الواجبات في سبيل تبادل الزيارات الذي يتم عادة قبل الظهر . لان بعد الظهر يخصص لمجالس « القات » .
وهذا ، بالطبع ، ينطبق على امرأة المدينة وحدها ، دون القروية ، ودون اليهودية ، اللتين تتمتعان بنصيب وافر من النشاط ، وتقومان بكثير من الاعمال التي تؤمن معيشتها . اما الفلاحة فتشارك الرجل في الاعمال الزراعية وتحمل بنفسها ، او على الدواب ، الى المدن ، الدجاج والبيض والخضار والحطب وغير ذلك مما تبيعه وتكسب به . واما اليهودية فتعمل خادمة في البيوت ، وتحمل مختلف الاصناف والاقمشة تدور بها على البيوت والقرى لبيعها ، وهي الى هذا تساعد البنائين في نقل الماء والطين ، وتقوم باعمال اخرى شبيهة لا يمكن ان تقوم بها المسلمة .
...
وتغلب الامية على النساء في اليمن ، لعدم انتشار تعليم الفتيات بعد هناك .
ويأمل صاحب السمو الملكي الامير سيف الاسلام عبدالله ، رائد النهضة اليمنية - كما يلقبه زوجي بحق - ، ان يتغلب عمّا قريب على الرجعية التي ما تزال تقف في وجه تعليم الفتاة اليمنية .
وهذه الرجعية ليست المرأة اليمنية مسؤولة عنها ، فقد رأيتها في كل مكان دائمة التذمر والشكوى من حياتها الرتيبة ومما ترسف فيه من قيود الجهل والكسل .
على ان هذا لا يعني ان ليس في اليمن نساء متعلمات ، بل مثقفات تثقيفاً عالياً ، وفي طليعة هؤلاء صديقتي قرينة صاحب السمو الملكي الامير سيف الاسلام القاسم ، وزير الصحة والمواصلات ، وكريمة معالي محمد راغب بك رفيق وزير الخارجية ، وهي تركية الاصل والنشأة وتتقن بعض اللغات الاجنبية . وصديقتي قرينة صاحب السمو الملكي الامير سيف الاسلام احمد ، وليّ عهد اليمن ، وهي سورية الاصل والنشأة .
...
هذا الجهل ، وهذا السأم ، هما اللذان دفعا المرأة اليمانية الى مشاركة الرجل في الاقبال بشراهة على « القات » .
والقات نبات يمضغ اليمانيون اوراقه ، فيحدث لهم شيء بسيط من النشوة او التخدير . ويعقد النساء - كما يعقد الرجال - مجالس خاصة للقات ، تبدأ ظهر كل يوم ، وتنتهي عند المغرب .
ففي ظهر كل يوم تخرج النساء في اليمن من بيوتهن ، حاملات تحت آباطهن حزم القات ، الى احد مجالس القات النسائية ، التي تعقد عادة في البيوت الوجيهة ، شأنهن في ذلك شأن الرجال .
ومجالس القات تكون عادة في صالات واسعة مفروشة بالسجاد والى جدرانها مدت الفرش عليها المساند والوسائد وقد صفت الغراجيل - والنرجيلة تسمى في اليمن « مداعة » - في وسط الغرفة ، فوق صدر واسع من النحاس
الاصفر . والغراجيل في اليمن كبيرة الحجم مصنوعة من النحاس الاصفر والابيض ، ومزينة بالمرجان والعقيق والفضة . ولكن نرجيلة رأس كبير يتسع لكمية من التتباك تكفي لمدة ساعات ، وتربيج يناهز طوله الخمسة الاذرع ليغني عن نقل النرجيلة من مكان الى مكان .
وتوضع امام كل امرأة مبصقة من النحاس مخصورة الوسط ليبصق القات بعد مضغه . وهكذا يضيع اليمانيون واليمانيات النصف الثاني من كل يوم في مجالس ليس فيها الا القات والنرجيلة والحديث .
...
على ان من الانصاف ان اشير الى ان المرأة اليمانية ، بالرغم من كل هذا ، من ابعد نساء العالم العربي عن الغيبة وعن ( القيل والقال ) . . ولا يلهي القات المرأة اليمانية عن اداء الصلاة . ويساعدها على ذلك ان المذهب الزيدي يجمع بين الصلاتين : صلاة الظهر وصلاة العصر .
...
ومن عادة اليمانيات ان يستقبلن الزائرات بعبارة « حيّا الله من جاء » . وبعد ان تجلس يُرش عليها ماء الورد ، ثم تدار المبخرة على الجالسات .
...
وكثيراً ما تتزوج المرأة اليمانية وهي قاصرة . فالزواج المبكر عادة مستحكمة في اليمن . واكثر ما يتزوج الفتيان وهم في سن المراهقة .
وتعدد الزوجات منتشر في اليمن ، كذلك حوادث الطلاق .
وقد تقلق اليمانية لان تصبح ضرة اكثر من ان تصبح مطلقة .
والاقبال على المطلقات والارامل لكبير في الطبقات الفقيرة حيث يرغب الرجل في التي تملك اثاثاً وثياباً .
...
والمرأة اليمانية ، بعد كل هذا ، بعيدة عن الابتذال الخلقي واكثر اللواتي تحوم حولهن الريب ، على ما لاحظت ، من « المتهودات » اي اليهوديات اللواتي دخلن في الاسلام .
وقد ذكرت فيما تقدم ان اليهوديات يتمتعن بنصيب اوفر من نصيب المسلمة من بياض اللون والصحة والنشاط ، وازيد انهن تتمتعن كذلك بنصيب اوفر من الحرية . ولكنها حرية مليئة بالمزالق ، ولا سيما بالنسبة الى الصبايا اللواتي هجرهن ازواجهن ليهاجروا الى فلسطين .

