هناك في وادٍ غير ذي زرع ، قرب صحراء الرمال ، وصحراء المعتقدات . حيث جذب العادات . ومحل الحلق ، حيث الفوضى بغير نظام ، والاضطراب بدون امن ، هناك شع نور محمد فاضاء البطاح والجبال . فتوهجت الرمال بوهج الايمان ، وتطايرت شرارات من جذوة مقدسة من روح محمد فالتهمت كل بال من المعتقدات واطاحت بآلهة من الحجارة عُبدت ، فتوى الظلم والعدوان ، وتثلمت عروش الفساد والجهالة والطغيان ، وتطهرت الاحلام الى عالي المثل بقوة الروح العظيمة التي لا تغلب .
قوة روح خالدة تعاليمها ، قائمة رسالتها ، حية مشاعرها تظلل الانسانية برحمتها ما بقي في الانسانية مجال للسمو وفسحة للنور . هناك في جزيرة العرب ، حامت في عليائها ملائكة الرحمة لتهزم الوثنية ، وتزيل نزعات وثورات ، وتهدأ عصبيات وثارات .
لقد سمع محمد وحي الحق وادناه من مفهوم الناس ، ورفعه في نفوسهم ، واجراه على السنتهم ، واقامه في قلوبهم فعظمت النفوس وصفت القلوب وتضاءلت شياطين الشر في فضاء الميول الوضيعة امام الروح الطاهرة للرسول الاعظم والنبي الاكمل ، فعنت الوجوه للحي القيوم وتنادى القوم : لا إله الا الله محمد رسول الله .
هكذا خالف محمد ما ألف آباؤه واجداده من الضلال ، ونأوا ترهات قومه فهداهم الى معرفة الله وخلق منهم امة عظيمة ذات مدنية جديدة علت فوق اطلال المدنيات السابقة .
وهل يستطيع الباطل ألا يزهق امام بأسك يا محمد وهو مستمد من قوة الله .
ومن يقدر على اطفاء نور يضيء ويخترق حجب النفوس المظلمة . وشفاف الافئدة الصفيقة وهو نور علوي سرمدي بعيد قريب ، ليس له بداية ولا نهاية .
وهل يسبر غور الاحلام ومجاهل الافكار وقد رانت عليها جحافل الاوهام إلا قبس من عند الله ؟
وهل يلجم الالسنة عن التنابذ والتحاسد ، ويكم الافواه عن الكفر والافتراء إلا كلام من عنده فيه هدى ورحمة وامان ومحبة وسلام ؟
هيهات ان يغتر محمد بما يغتر به البشر فهو متنزه مغلق قلبه عن جشع القوة وسلطان المال ، محمي بما يتبجح به الزعماء وما يستهويهم من متاع الدنيا . وهو يريد ان يطهر قلوبهم من الاطماع . ويصونها من التهالك على المتاع الغرور .
يا رسول الله لقد كنت الحلقة المشعة بين ارادة الله وبين العالمين فعلمتهم المحبة وقلت لهم : لا يكمل ايمان احدكم حتى يحب لاخيه ما يحب لنفسه .
وكنت اذا دخلت مجلساً جلست حيث ينتهي بك المجلس . فعلمتهم التواضع والمساواة بان كنت لهم القدوة الفضلى ، وأتيتهم بآيات الله مَثَلاً : «ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الارض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور» .
فمحمد عظيم بسماحته وبره وعطفه وسعة صدره . عظيم بصبره على الاهوال واحتماله الاذى وثباته في سبيل دعوته . عظيم باحاديث شريعة مُفسرة لآيات ربه ومستوحاة من شريعته . وهو عظيم بحلمه وعفوه . ولقد عفا وصفح عن اهل مكة يوم النصر وهم الذين آذوه وعذبوه وشردوه وحاربوه وارادوا قتله .
ان قدسية الحق هي معين عظمته لذلك كان منذ الصغر حتى بلغ الرشد والى ان توفاه الله امثولة حية مُثلى للمكارم والمآثر والعظات .
