ما ان طلب الي ان القي كلمة في هذه الحفلة ، حتى رجعت بي الذكرى الى ليل الحادي عشر من تشرين الثاني سنة الف وتسع مئة وثلاثة واربعين . فذرفت عيناي دمعتين : دمعة الم لذكرى تلك الليلة التاريخية . ودمعة فرح لنتائج تلك الليلة ، الا وهي الاستقلال والحرية والجلاء .
سيداتي ، سادتي :
اذ نحن نحتفل الليلة بالذكرى الثالثة لجلاء القوات الاجنبية عن بلادنا العزيزة ، نحتفل بعزة جيشنا الوطني الباسل ، نحتفل بجلاء القوات التي جربت ، والله يشهد ، مرات كثيرة لسحق الروح الوطنية اللبنانية الصادقة وهدم صرح الحرية المقدسة .
رحل الاجنبي عن هذه البلاد بقوة ابنائها ، بعد أن رأى ان الوسائل التي اتبعها لاذلال البلاد ، كانت عقيمة الفائدة ؛ وان الروح اللبنانية لا تذل ولا تكن ، وان اشواك الذل والاستعباد لن تتمكن من خنق روح السيادة والاستقلال .
ايها اللبنانيون : كلمة من سيدة لبنانية تفاخر في لبنانيتها ، وفي حريتها ، راجية ان تتخذونها بالروح التي كتبت بها .
ان جلاء الاجنبي عن بلادنا ليس بالحرز الواقي ، ولا بالضاعة الكافية لسعادتنا وسؤددنا . بل هنالك جيوشاً من الجهل والامية يجب ان تحارب بالعلم والمعرفة . ان غيوماً من الحسد والتباغض يجب ان تجلو عن القلوب ، واشباحاً للاثرة والانانية اراها تتجسم وتتكاثف للقضاء علينا ، وهي لعمري يجب ان تتلاشى وتضمحل .
ايها اللبنانيون : لقد كنتم يداً واحدة لطرد العدو الخارجي ، فكونوا ، أناشدكم الله ، يداً واحدة للقضاء على كل ما من شأنه ان يشين نعمة هذه الحرية ، وينغص هذه الذكرى المقدسة .
انني ارى ان الطريق شاق . ومضني وارى اننا في اخطر
اطوار الحياة ، اذ نحن في طور الانتقال من العبودية الى الحرية ، من جهنم الانتداب الى جنة الاستقلال .
ان حياة الامة لا تقاس بالسنين ايها السادة بل بالاجيال . ونحن لا نزال في بدء حياتنا ولا غنى لنا عن الوقوع في الاغلاط فلا تقنطوا ولا تتطلبوا اجتراح العجائب ولا تكثروا من الانتقاد فهو لعمري من اهون الوسائل لتثبيط الهمم والعزائم . بل كونوا مثال الوطنيين المخلصين . وليعمل كل منا ضمن نطاقه وامكانيته الخاصة .
ان السلطة والشعب معاً — واعيد القول معاً — مسؤولون عن سعادة هذا الوطن المفدى ، فلتتعاون متحدين لبلوغ هذه الغاية .
ولا يسعنا في هذا المقام ، في هذه الليلة التي نودع فيها السنة الحالية ، ونستقبل بعد ساعات قليلة السنة الجديدة الا ان اوجه تحية العيدين الى اللبنانيين واللبنانيات جميعاً ، وعلى رأسهم فخامة الشيخ بشاره الخوري راعي الاستقلال الاول ، وان انحني باحترام للرجال والنساء الذين بنوا صرح هذا الاستقلال . الى ابناء وبنات لبنان الذين اتاحوا لنا فرصة احياء ذكرى عيد الجلاء . واذكرهم انه لا يزال امامهم متسع من العمل في هذا الحقل الا وهو بذل الغالي والرخيص لجلاء القوات المغتصبة ، لجلاء قوات الصهيونية عن شقيقتنا فلسطين العربية العزيزة . فاكملوا رسالتكم المقدسة وحرروا فلسطين كما حررتم لبنان .
عاش لبنان سيداً مستقلاً . وعاشت فلسطين آمنة عربية .
السيدة الن ريحان
عرفت شيخاً لبنانياً جليلاً كتب الى ابنه في المهجر بعد الحرب العالمية الاولى يقول : « لنا الآن من العمر عشرون يوماً فمنذ عشرين يوماً جلت الجيوش التركية والالمانية عن بلادنا » . ثم عرفت هذا الشيخ نفسه يعتصم في مزارعه في الجبل بعد دخول الجنود الاجنبية بلادنا كي لا يرى جيشاً اجنبياً يطأ هذه الارض حاكماً مستبداً . وعرفت هذا الشيخ قبل وفاته

