نحّى إله الفن ازميله ونظر الى التمثال الجميل نظرة اعجاب وعطف فزها بما صنعت يداه . وارسلت شمس المغيب اشعتها الذهبية فكسته روعة استهوت قلب الفنان البكر فافتتن به وشغف حباً .
وبلغ به الشغف بالتمثال مبلغاً حدا به الى الرجاء ان يصبح بشراً سوياً فيتخذه له خلاً وفياً .
نفض عنه غبار العمل وسار والامل يملأ نفسه الى الجبل المقدس ، وجثا خاشعاً امام جوبتر اله الآلهة الجالس على عرش المجد والالوهة .
كان جوبتر متجهم الوجه غاضباً . لقد انباه رسوله ان بروميتس إله المدنية قد سرق النار المقدسة واعطاها لاخيه إبيتيوس ، الانسان الاول . ويل للغادر الخائن ان له عذاباً اليماً .
لذلك كان جوبتر يشغل شاغل عن اله الفن الجاثي امامه . وطال جلوس الاله المفتون بصنع يديه ، الى ان حانت من جوبتر نظرة اليه فسأله عن مطلبه . فضرع اليه الفنان ان ينفخ في تمثاله نسمة حياة ويهبه له مؤنساً ومعيناً .
واراد جوبتر ، فدبت الحياة بالتمثال ونبض قلبه وابتسمت شفتاه بسحر الانوثة ، ومال نحو الفنان مغرياً فخوراً . يا لروعة ما صنع - السحر والفتنة والجمال وما بدا له وما استتر : باندورا المرأة الاولى ...
وها هي تقف للمرة الاولى امام عرش الالوهة ، ومن ورائها الفنان ، أتى ليشكر ربه على نعمة الحياة . ولو علم الغيب لما شكر .
نظر جوبتر اليها بامعان فراقت في
عينه ، وتوسم بها أداةً لتحقيق ما اجهد به تفكيره ردحاً من الدهر . فانفرجت شفتاه بابتسامة خبيثة ماكرة مثنياً على مهارة اله الفن وعبقريته ، وامره بالانصراف . فخرج يجر اذيال الخيبة ، ويزرق قلبه الالم ويعمي بصره الغضب . لقد ضاع حلمه المنشود وفقد تمثاله المعبود
باندورا
بعد ان اصبح اروع ما في الوجود : المرأة .
وصاح جوبتر برسوله « هرمس » وامره ان يحمل باندورا الى بروميتس لتغريه وتنال منه فتشقيه . فانصاع الرسول للامر ، فأردف باندورا على جناحيه ، وحلق ينهب الفضاء نحو سفح الاولمب ليزف المرأة الاولى الى بروميتس . اتراها نعمة ام نقمة ؟
سارت اليه تجر اذيال الفتون وتعبق بارجها اجواء الغاب ، ووقفت به خجولة مترددة تنضح اغراء وتتيه كبرياء . فصمد لها ، وزلت عنه سهام سحرها فلم تصب منه مقتلاً . نظر اليها بحذر وروعة ، ثم اشاح بوجهه عنها والتفت الى هرمس وقال له : « اشكر لالهي عطفه علي وهديته لي ولكن لا اراني راغباً فيها او قادراً على قبولها . فان فتنتها اشد من ان تقاوم وكبريائي اقوى من ان تذعن لاغراء »
وخرجت باندورا من لدن « بروميتس » مكسوفة حزينة تسير الهوينا متحاملة على نفسها . لقد صعقتها الصدمة واذلها الرفض . وما ان ابتعدت مع الرسول
قليلاً حتى صفق بجناحيه وطار راجعاً الى الجبل ليؤدي الى ربه ، عن مهمته ، حساباً . وبقيت باندورا على السفح ، شريدة طريدة ساهمة في عالم مجهول ، وحيدة متخاذلة .
وأبصرها إبيتيوس ، وهو آت لزيارة اخيه بروميتس ، فراقت له وأثارت فضوله . فسأل اخاه عنها فأنبأه بخبرها وحذره منها ونصحه بالابتعاد عنها . ولو وعى لفعل ، وقد كان هانئاً قبل ، بوحدته . ولكن الانسان ، ولما يصل الى مصاف الاله ، لم يقنع ولا يقنع ان مخلوقاً لطيفاً جميلاً كالمرأة يمكن ان يكون مضراً مؤذياً . فضرع الى اخيه ان يسمح له بأن يعتني بها فهي مسكينة بائسة تفيض عيناها طهراً ويفتر ثغرها ببراءة الطفولة . فسمح له على غير رضى منه ؟ ولكن أليس الانسان حر التصرف ؟ فليفعل ما بدا له وما شاء فعلى عاتقه تقع تبعة اعماله ؟ ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ...
وسار بها فرحاً مزهواً غافلاً عما خبأه له القدر ، تملأ الغبطة روحه ويستخفه الطرب فيرقص على نغمات قلبه الخافق الفتي . ضمهما الروض وظللهما الحب بجناحيه فنعما ردحاً من الزمن كغريدين افلتا من جنان الخلد ، يجنيان الشهد واثار الروض ويقتنصان طيور الغاب وغزلانه طعاماً . ويلهوان بقطف الازهار وضفرها اكاليل ، وبمطاردة الفراشات ومحاكاة البلابل .
وذات صباح بينما كان إبيتيوس يصطاد في الغاب ، زار هرمس باندورا
