واودع عندها صندوقاً جميلاً ريثما يعود اليها، واوصاها ألا تفتحه. وما كاد ينصرف حتى اقتربت باندورا من الصندوق واخذت تتأمل دقة صنعه وحسن نقوشه وزخرفه، فاعجبها واشتهت ان تلمسه. غير انها تذكرت فهي رسول الآلهة، فسحبت يدها بعد ان همت ان تمتد اليه.
وعاد رفيقها فرأى الصندوق واستطلع خبره فأنبأته بما كان من زيارة هرمس لها وايداعه الصندوق عندها وتوصيته لها الا تفتحه.
اشبع جوابها فضوله، فلم يلق على الصندوق نظرة اخرى ولم يأبه لوجوده في كوخه اذ لا شأن له به وهو وديعة، والودائع ترد الى اصحابها ان عاجلاً او آجلاً. غير ان فضول باندورا، وهي
المرأة الاولى، ضج بصدرها، يثير رهطاً من الاسئلة... لماذا اودع هرمس هذا الصندوق عندها؟ ومن اين اتى به ولمن هو؟ أتراه له، ام انه سرقه؟ وان كان قد سرقه فمن سرقه وماذا يحوي الصندوق؟؟ ولبثت حيرى بأمر هذا الصندوق الجميل وزاد حيرتها نهي هرمس اياها عن فتحه. واعملت الفكر ولكنه ارتد عن حل معميات الصندوق كليلاً. وكانت تتفحصه بامعان وتجرأت فلمسته ورازته فألفته ثقيلاً. واخيراً، وقد اقض الفضول وحب الاستطلاع مضجعها، عولت على كشف سر الصندوق مهما كلفها الامر، ولكن انى لها ان تكشف سره دون ان تفتحه؟
وذات اصيل بينا كان رفيقها يجني
الازهار ليضفرها لها اكليلاً لاحت لها الفرصة فانتهزتها... تناولت مدية صغيرة وغرزتها في القفل وضغطت عليه بكلتا يديها فانكسر، ورفعت الغطاء بيد مرتعشة رهبةً ووجلاً وانفعالاً.
وما كادت ترفع الغطاء حتى تدفق منه رهط من الويلات والمصائب وسرب من الآثام والمعاصي تتلوه اسراب الآلام والاحزان، ويسير اثره جحفل من المخازي والشرور: انانية ورياء وفسق وسفك دماء والحاد وبغضاء ونهم ودنس وكبرياء.... واحتشدت هذه كلها في الكوخ واحاقت بالمرأة تذيقها العذاب ألواناً، وانتشرت بالروض فقلبته جحيماً. وصعق الرجل الغافل مما ناله من اذى لا يدري كيف يتقيه او يستطيع له مرداً؛ فلاذ بكوخه فراراً من العوادي، واذ الكوخ ينضح بالويل والشر والاذى. وهم بالهرب منه الى حيث لا يدري فابصر برفيقته ترزح تحت وطأة المصائب والآلام فاندفع لانقاذها ولاحت منه التفاتة الى الصندوق المشؤوم فرآه منتوحاً فادرك الحقيقة المرة. لقد دفع الفضول المرأة فعصت نهي الآلهة، وها هي تلاقي واياه جزاء ما اقترفت يداها...
وبينا هما كذلك، اذ بها يسمعان من اعماق الصندوق صوتاً عذباً رقيقاً يردد: «اطلقا سراحي فاخفف عنكما الآلام والاحزان. انا بلسم للجراح، انا مشدد العزائم، ومنشط الهمم. انا الامل».
اتراها خدعة اخرى؟ ما هو الامل؟ غير ان باندورا لم تتردد ورفعت الغطاء ثانية، فخرج الامل سند الانسان الوحيد على احتمال العالم بشروره وآلامه ومخازيه.

