في هذه الايام التي يقبل فيها الشباب على مطالعة الروايات، الغرامية منها بنوع اخص، اود ان اقدم للمرأة عامة وللفتاة خاصة رواية عذبة قيمة لعلي وانا اقدمها لهن اهيج الشوق في نفوسهن لمطالعتها وهذه الرواية هي «رفائيل» للامارتين نقلها الى العربية الاستاذ حسن الزيات. ونحن عندما نوفق الى مطالعة ادب رقيق قوي نساعد على تكوين خلقنا تكويناً جيداً متيناً وقد قال احدهم: قل لي ماذا تقرأ اقل لك من انت.
كتاب رفائيل للامرتين شاعر الحب والجمال الفرنسي هو قصة واقعية لحياة مؤلفه، بل هو مأساة شبابه. وقد اسماه صحائف سن العشرين لانه تاريخ تلك السن الفياضة العواطف المتفجرة الشباب. وانت تعلمين من مطالعتك لهذا الكتاب وغيره من مؤلفات لامارتين ان الشاعر الفرنسي كان معاصراً لنابليون لانه ولد عام ١٧٩٠ ولكنه كان يكره نابليون ويلقبه بالطاغية. ولعل تلك الروح الحنون في لامارتين، الروح التي جعلت منه في شيخوخته اباً لكل اطفال القرية والتي جعلت من الطيور اصدقاء له يدخلون غرفته ويخرجون منها كأنها عشهم الخاص؛ تلك الروح هي التي جعلته ينظر الى الفاتح نظره الى طاغية سفاك دماء.
زار لامارتين لبنان وحل ضيفاً على الامير بشير الشهابي والزائر اليوم لقلعة الامير في بيت الدين بلبنان يرى غرفة هي غرفة الشاعر وقد كتب على بابها
هذه الجملة: «حافظوا على ساعة الخير تنالوا الرضى». ثم يرى في داخل الغرفة لوحة معدنية عليها رسم نصفي نافر للشاعر الفرنسي وتاريخ زيارة الشاعر للامير عام ١٨٣٣ كما انه يرى بين اشجار الزان والصفصاف شلالاً متدفقاً كان الشاعر يصرف بجانبه معظم اوقاته يحلم. فاذا ما سألت اي فرد من افراد القرية عن هذه المياه المنحدرة كالثلوج اجابك بسذاجة انه شلال لامارتين.
اما قصة غرامه او مأساة شبابه كما يجب ان تسمى فهي انه التقى وهو في العشرين من عمره عندما كان يستشفي في حمامات «اكس لبان» التقى بفتاة فاتنة تستشفي بدورها فاحبها واحبته ولكنها كانت زوجة بالاسم لشيخ عالم كريم تبناها طفلة ثم خشي عليها قالة السوء شابة، فعقد له عليها.
وانت بعد ذلك تستطيعين ان
تتصوري هذا الغرام الملتهب بين الحبيبين الفتى الشاعر في العشرين من عمره يخفق قلبه للمرة الاولى والفتاة دون العشرين عذراء القلب والجسد معاً... وتمر أشهر الصيف فيفترق العاشقان التاعسان بحبهما العذري.. وتمضي الزوجة الى قصرها فيقبل الفتى على زيارتها.. ويظهر في القصة شخص ثالث نبيل هو الزوج الشيخ... وهو يلحظ ما بين زوجه وهذا الفتى من غرام ولكنه يثق بقدسية نفس المرأة التي تعيش بجانبه فيفتح منزله للفتى... وهو يلحظ ان هذا الفتى لا يزور القصر الا يحذر محافظة منه على سمعة المرأة التي يهواها وخوفاً على اسمها من ان تلوكه ألسنة السوء؛ وهو يلحظ ايضاً ان هذا الفتى النبيل يحارب نزعات الهوى ويحاول ان يغلب قلبه، فيحمل له كل اجلال وتقدير...
ويقبل الصيف من جديد واذا بالفتاة تذبل كالزهرة الظمأى واذا بها تسير نحو الموت بخطوات سريعة واذا بها تعلم انها على قاب قوس من الموت ولكنها وقد تجمعت عليها تلك العوامل: غرام فحرمان فيأس من الحب والحياة، يأبى عليها خلقها المتين ان تخون ذلك الشيخ الكريم فتدنس الاسم الذي وهبها اياه.
وتظل الشابة تشقى بين غرامها وواجبها حتى اذا ما شعرت بالموت يدنو خشيت ان تلاقيه وحبيبها بجانبها يتفجع فاختارت له ان يسبقها الى المصيف الذي تلاقيا فيه اول مرة لعل عذوبة الذكريات تخفف من الم الفجيعة ضانة على نفسها بالتعزية التي تنالها فيها لو اغضت عينيها الاغماضة الاخيرة على محياه المحبوب وهكذا كتبت اليه ان يسبقها الى البحيرة لانها تلاقيه هناك. ومضى الفتى


