

الفن تعبير صوره اهله - كل حسب نظرته له - فنظمه الشاعر قصائد خلدت اسمه ، ووضعه الموسيقي الحاناً وانغاماً ساوية تدمع لها المقل تأثراً ، وصورها الرسام لوحات تهافت الناس على مشاهدتها وقراءة الغازها . ومرت اجيال وانطوت عصور والشعوب المتدنة تتبارى في تعزيز الفن واعطائه المقام اللائق به ، في البيت ، في المدرسة وفي المجتمع . فهو ملازم لهم في جميع ادوار حياتهم فما هو المركز الذي خصصناه له في بلادنا وما هي قيمته عندنا
لو كانت هنالك مقاييس واختبارات لتقدير الفن ، ونسبة وجوده في الناس وفرضت على جميع ابناء بلادنا ، لبدت نتيجتها فاشلة الفشل كله ! فما هو السبب ؟ هل هو ضعف في المواهب الفنية التي ورثناها عن آبائنا واجدادنا ؟ ام هو الجذب الفني في البيئة التي ترعرعنا بها ؟ السبب لا هذا ولا ذاك ، فتراثنا غني بالفن وامهاتنا تروي لنا القصص الطريفة عن تنبه اطفالنا له منذ شهورهم الاولى . وبلادنا من اكثر بقاع الارض فتنة ، واكثرها فناً ! فما هو السبب اذن ؟
ان السبب في انحطاطنا الفني يرجع الى النقص في توجيهنا الثقافي : اولاً في بيتنا وثانياً في مدرستنا . فالطفل الذي يدرج من بيت يرعى فيه الفن ويغذى ، هو غير الطفل الذي يدرج من بيت اهم ما فيه مطبخه !
١ - سعيد ، طفل حديث العهد في
الروضة ، يتأهل ويتباطأ في الحضور كل صباح . ارادت امه تشويقه فوعدته بخمسة قروش يشتري بها حلوى كلما بكر في الاستعداد الى المدرسة .
ورشيد طفل مصاب بالتأهل نفسه ، لكن امه ، عوضاً من ان ترغبه بخمسة قروش يشتري بها حلوى ، تهيء له باقة جميلة من الازهار ، يحملها الى

معلمته التي سبق واتفقت مع الام على خطة مرسومة . فستقبله المعلمة على الباب ، مرحبة به ، مبالغة في وصف جمال باقته ، وتشكره عليها ، وتطلب اليه ان يساعدها في تنسيق الازهار في المزهريات وتوزيعها على الغرف المختلفة ..
ولا تمر ايام حتى يعجب الكل من الانقلاب الذي اعترى رشيداً فهو يسرع الى الروضة مبكراً وهو شديد الحرص على اختيار باقة الازهار بنفسه ، لاثبات سلامة ذوقه - فهذه ام رشيد ترى ضرورة توجيه طفلها توجيهاً فنياً ، فتجعل من الفن وسيلة تشويق لامر له
اهميته وبذلك ترفع الفن الى مستوى سام يليق به ، بينما نرى ام سعيد - الطفل الاول - امرأة عادية ، تؤمن ان الخبز وحده يحيي الانسان ولذا فهي لا تستطيع التفكير في طريقة للتشويق ، تأتي عن غير طريق الفم ، فيشب طفلها لا يفهم الا بلغة الفم !
والموسيقى مظهر من مظاهر الفن وهي من اشد العوامل تأثيراً على النفس وتلعب دوراً كبيراً في حياة الطفل ... وكثيراً ما توحي الموسيقى الى الطفل الموهوب صورة يرسمها او قصة يرويها لزملائه ...
والغناء ضرب آخر من الموسيقى وهو يمهد السبيل امام الاطفال ليسبغوا على اعمالهم الصبيانية المبتكرة ، مسحة فنية ساحرة ، ويساعد الاطفال على التعبير عن افكارهم واختباراتهم . وان المراقب لحركات وبوادر الاطفال اثناء اللعب ، يسمعهم يغنون وهم يلعبون : بعضهم يغني اغاني تعلمها من بيته او من المدرسة ، والبعض الآخر يغني مقاطع من هنا وهناك قلما يفهم منها شيئاً ، ولكن مع هذا ، فهو يعيدها عشرات المرات ، ويشعر ان غناءه اكبر باعث لنشاطه وانسه في اللعب .
٢ - ولد لموسيقي توأمان . وشاء القدر ان تتوفى الام اثناء الوضع فاضطر الوالد لارسال احد الطفلين ، ليعيش مع عمته ، في مزرعتها ، وابقى الثاني معه . فشب هذا محاطاً بالفن والموسيقى وكان هذا الميل في الاصل قوياً فيه ، فنبغ وظهر منه العجب . اما ذاك فانه مع شدة ميله الى الموسيقى فقد وُجه توجيهاً رياضياً زراعياً ،