في العصور الاولى كان التزاوج بين الاهلين الادنين مباحاً عرفاً وقانوناً، فلم يتورع الرجل ان يتزوج من اخته، وعمته، وخالته، حتى من ابنته.
وكان البشر في اختلاطهم الجنسي حيوانيين، لا حرمة للصلب ولا للنسب.
ابرهم تزوج ساره، وكانت قبل الزواج اخته، فاصبحت بعد ذلك اخته وامراته.
وتقول لنا التوراة ان سارة كانت امرأة جميلة.
وتاجر ابرهيم بجمالها، واحتمى بها من غضب «فرعون» واستبداد «ابيمالك» فقال لها: «قولي انك اختي ليكون لي خير بسببك».
وصار لابرهم بسببها غنى واسع وخيرات كثيرة.
ثم استرجعها واستولدها اسحق الذي خرج منه نسل مبارك وشعب عظيم كان ولا يزال قطب الحركة ولولب العمل بين مختلف الامم والشعوب.
وقد تعددت في «الشعب المختار» هذه العلاقات حتى اتى موسى فحرمها ولعن الذين يعملون بها.
وكان موسى في شريعته انسانياً، فقضى على حيوانية شعبه.
«لا يقترب انسان الى قريب جسده ليكشف العورة» «لا تكشف عورة ابيك، ولا عورة امك، ولا عورة امرأة ابيك، ولا عورة اختك بنت ابيك، ولا عورة ابنة ابنك او ابنة ابنتك، ولا عورة اخت ابيك او اخت امك. عورة اخي ابيك لا تكشف، الى امرأته لا تقترب، لا تكشف عورة كنتك ولا عورة امرأة اخيك، ولا عورة امرأة وبنتها، ولا ابنة ابنها، ولا ابنة بنتها. (سفر اللاويين)
ومشت على هذه الشريعة الديانات المسيحية، اذ رأت فيها ناموساً مقبولاً يجمع بين حيوانية الطبيعة وانسانية المجتمع.
وانزلها نبي الاسلام في صلب شريعته آية مقدسة: «حرمت عليكم امهاتكم، وبناتكم، واخواتكم، وعماتكم، وخالاتكم، وبنات الاخ، وبنات الاخت، وامهاتكم التي ارضعنكم، واخواتكم من الرضاعة، وامهات نسائكم، وربائبكم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن. فان لم تكونوا دخلتم بهن، فلا جناح عليكم، وحلائل ابنائكم الذين من اصلابكم، وان تجمعوا بين الاختين، الا ما قد سلف. ان الله كان غفوراً رحيماً».
وغالت في تشريعها بعض (الشيع) المسيحية، فحرمت الزواج بين الاقرباء الى الدرجة الخامسة، وكانت مغالاتها مبنية على اسس صحية واجتماعية. غير ان الناس في العصور السالفة لم تكن تفهم امور الصحة والاجتماع، فقال لهم المشرعون: هذه قوانين سنتها الكنيسة ومن شرد عنها عوقب بالحرم وبنار جهنم.
وخضع القوم لها، هرباً من حرم الكنيسة وما يرافقه من الذل والعار، وخوفاً من عذاب جهنم ومن لهيب النار.
حبذا هذا التشريع من رجال الكنيسة. انهم فيه حكماء عاقلون.
وقل هذا الشذوذ في العصور الحديثة، وصار الناس ينعتون من يتزوج باخته او ابنته حيواناً او بهيماً. ولا
يخلو المجتمع من البهيميين.
غير ان التطور الانساني كفيل بالقضاء على هذا الشذوذ الجنسي الذي يجبه الذوق وتستهجنه الهيئات الاجتماعية الحاضرة.
* * *
ان الزواج رابطة كبرى تقارب الشعوب واختلاط الامم، وان امتزاج المدنيات عن طريق التزاوج، هو الطريقة المثلى لازالة التعصب من ابناء الملل المختلفة واتباع المذاهب المتعددة. ومتى رأيت ابناء امة، او طائفة، او عائلة، لا يتزاوجون مع غيرهم من الامم والطوائف والعائلات، فاعلم ان هناك بذرة تنمو من بذار التعصب والانانية.
لو اختلط اليهود ببقية الشعوب، وتزاوجوا مع غيرهم منها، لما كان بنو اسرائيل اليوم، في اقطار المعمور كافة (منظورين) بعين الحذر والكره. ولو تخلت الاديان عن تعاليمها القاضية بمنع ابنائها عن الزواج بمن كان على غير دينهم، لماتت العصبية الدينية والمذهبية بلية العالم اجمع، وبلية الشرق على الاخص.
عبثاً يحاول المصلحون ازالة التعصب من هذه الاقطار الشرقية. فلا التعليم يزيله، ولا الثقافة تمحو شره، ولا الشرائع المسنونة تعمل على درء اخطاره.
ان التزاوج بين مختلف الشيع والطوائف، او المصاهرة الناتجة عنه، هما دون غيرهما، افضل الطرق لنجاة