لعل المصادفة قد لعبت في الشهرة بالجمال ، خلال عصور التاريخ المختلفة ، دورًا اكبر مما لعبته في كافة انواع الشهرة الاخرى ؛ وذلك لان الكثيرات ممن احتفظ التاريخ بذكر جمالهن انما افلتن من طوفان النسيان الذي لا يبقي ولا يذر ، لان حياتهن اتصلت بحياة عظيم من العظماء ، او شاعر مدله او نحات بارع ، او مصور من الموهوبين ؛ وان لم يخل الامر من جميلات عرفت لهن مواهب او اقدار كانت خليقة بان تنقذ ذكراهن من الفناء .
ولو اننا اردنا الحديث عن الجمال المطلق لاستحال الحديث ، فلربما غلفت اغشية الزمن ، باحدى القرى المهجورة او الصحارى الجرداء او الجزر النائية ، فتيات لا يتسامى الى جمالهن جمال ممن لا نزال نردد حتى اليوم ذكراهن او نستعرض صورهن ، كما خططها يراع شاعر او ريشة مصور ، حتى لتعاود النفس تلك الفقرات الخالدة « لتوماس جراي » في « مرثية في مقبرة بالريف » :
« كم من جوهرة نقية الشعاع ، صافية ، ظلت مخبوءة في اعماق المحيط ؛ وكم من زهرة تتفتح بعيدة عن الابصار ، ثم ترسل هدرًا عبيرها الى بيداء الفضاء ! » .
بين الحقيقة والخيال
على ان النفوس الشاعرة ، وهي فيما نحسب مصدر الخلود لكثيرات ممن توقظ اسماؤهن في النفس اليوم كافة صور الجمال وآياته ، لم تكن دائمًا - بل قلما
كانت - من نقاد الجمال وعارفيه بالمعنى المألوف . فكم من واحد منهم هام بامرأة لا يرى فيها الناس جمالا اذا قيس الجمال بالاوضاع والنسب ؛ بل كم من واحد منهم أحب شبحًا صوره خياله ، ثم اعطى الشبح اسمًا ، ولربما اعطاه جسمًا ، فاختار امرأة - كائنة من كانت - على نحو ما فعل « دون كيشوت » يوم اتخذ له فتاة ، احدى بنات قريته ، واطلق عليها اسمًا نبيلًا رائعًا هو « دولسيني دي توبوزو » وما دام مثل هذا الاسم لا يطلق إلا على النبيلات ، فقد كان في خيال دون كيشوت ما يكفي لان يقيم من الريفية دولسيني ، التي ينازل الابطال اذا لم يقروا بجمالها عن يد وهم صاغرون !
لقد صاحت يومًا احدى تلك النفوس القلقة الشاعرة بقولها وهي تستعرض سجل حياتها الحافل بالمغامرات :
« اين تلك المرأة التي كانت موضع مغامراتي ؟ يخيل الي انها لم تكن واحدة بل مائة ! وان نفسي التي كانت تحلق عالية لم تتأثر بأية واحدة منهن . » ومن يدرينا ، لعل كل واحدة من اولئك المائة قد كانت في اللحظة الراهنة اجمل من تقل الارض ، ولعل شاعرنا قد جمع فيها بخياله كل ما كان يحلم به من جمال .
ولقد حفظ التاريخ من اسماء اولئك الجميلات الكثير . وما نظننا في حاجة الى ان نعود فنقص انباء كليوباطرة التي احتالت لتعود من منفاها بالشام الى الاسكندرية ، حيث كان يوليوس
قيصر ، واذا بها تدلف بين يديه من سجادة مطوية ، واذا بقيصر الجندي الصلب الفؤاد يبهره جمالها الحارق ، وحركة نفسها الدائمة الغليان ، ونغمة صوتها الذي كان يفصح عن ادق الخوالج في لغة لاتينية سليمة تزيدها جمالا نبرة اللغة اليونانية العذبة ، لغة كليوباطرة الاصلية .
والذي لا شك فيه ان طموح كليوباطرة ، الذي لم يكن يعرف حدودًا ؛ قد كان ذا اثر فعّال في تاريخ الامبراطورية الرومانية كلها . فهي التي أغرت يوليوس قيصر على الملك ، وهي التي دفعت انطونيوس من بعده الى نزعة الاستئثار بالامر دون زميليه ، حتى انتهت به الى الهزيمة على صفحات المياه في معركة اكتيوم الشهيرة ؛ واخيرًا ساقته الى الانتحار .
لقد صدق « باسكال » عندما قال في « الافكار » : لو ان انف كليوباطرة كان اقصر قليلًا مما كان لتغير وجه المعمورة . ولكن ما حيلتنا وقد كان انفها خاليًا من كل قصر ، بل كان - ولا يزال - مضرب الامثال في جمال الانف الذي ينحدر في محاذاة الجبهة ، والذي لا يزال حتى اليوم يوصف في قاموس الجمال بانه الانف الاغريقي ؟ !
اي قوة كانت تنبعث من جمال تلك المرأة ؟ واي دهاء كان يخالطه سحرها ؟ لقد بهرت انطونيو يوم خفت اليه في سفينته كأنها اقلت كل ما على الارض من بذخ ، وقد اضطجعت في مخدع حريري ، ومن حولها الوصائف في غلائل كامواج البحر ، ليحكين ربّاته ، وغلمان كأنهم جميعًا « كوبيدون » اله الغرام باجنحته الخفيفة الطائشة ! اي قوة كانت تنبعث من جمال تلك المرأة ؟ واي دهاء كان يخالط سحرها ، يوم

