كانت تطوف بإحياء الإسكندرية ، وإلى جانبها أنطونيو ، أحد حكام روما الثلاثة ، وكأنه طفل صغير ، ليدقا معاً نوافذ وأبواب المنازل ، ثم يهربا في عبث دونه عبث الصغار ؟ !
وما نظننا أيضاً في حاجة إلى أن نعود فنقص تلك المغامرة الشهيرة التي كانت لأمير بحر عظيم كنلسن ، الذي لم يكد يحرز في سنة ١٧٩٨ أكبر انتصار حربي له على أسطول نابليون في أبي قير ، ويعود إلى إيطاليا ، حتى وقع في حبائل اللادي هاملتون ، زوجة سفير إنجلترا العجوز في نابلي ، تلك المرأة العجيبة التي لم تحل نشأتها خادمة في إحدى الحانات دون أن تتزوج سفيراً ، بعد حياة مليئة بالمغامرات ، ثم تسيطر على أمير عظيم ؛ وأن يمكن سوء الحظ قد لازمها في إخريات حياتها ، إذ توفي زوجها سنة ١٨٠٣ ، ولحق به نلسن في سنة ١٨٠٥ ، فاحتاطها البؤس بعد وفاتها وضيق عليها الدائنون الخناق حتى انتهوا بها إلى السجن سنة ١٨١٣ ، وتركت السجن إلى كاليه بفرنسا حيث وافاها أجلها سنة ١٨١٤ .
هذه هي « اللادي هاملتون » التي لم تخلد لسيطرتها على نلسن فحسب بل لتلك الصور الزيتية الكثيرة الرائعة التي رسمها لها مصورون خالدون « كرينولدز » و « رومني » الذي يقول المؤرخون أنه قد أضنى خياله في اختيار أوضاعها ، وتسجيل نفثات السحر التي كانت تنبعث عن جمالها .
وكم من جميلات غير كليوباطرة واللادي هاملتون قد ألهبن مشاعر الرجال ، ففتقن من مواهبهم أو أضنيتها . ولعل امرأة « كمدام ريكامييه » لا يجدر أن يهمل ذكرها عند الحديث عن جميلات
التاريخ ، فلقد كان لمجلس تلك السيدة بباريس إثر بالغ في الحركة الفكرية بفرنسا في أوائل القرن التاسع عشر . وكانت مدام ريكامييه ، التي تربت تربيتها الأولى في أحد الأديرة ، تعرف كيف تعامل الرجال فتتزمهم احترامها دون أن تجرح لهم إحساساً أو تشعرهم بغلظة . وباستطاعة القارئ أن يعود إلى قصة « مدام دي ستايل » المسماة « كورين » ليلم بالمعالم النفسية لمدام ريكامييه التي اتخذت منها الكاتبة الفرنسية بطلة لقصتها ، ومع ذلك فقد اصطفت من بين جميع المعجبين بها كاتبين كبيرين هما « بنجان كونستانس » و « شاتو بريان » وكانت لها بها أوثق العلاقات ، بحيث يمكن القول بأن المتتبع لآثارهما الأدبية لا بد واجد آثار تلك المرأة الرائعة الجمال الساحرة الحديث ، تلك المرأة التي خلف لنا المصوران « دافيد » و « جيرار » لوحات خالدة ملامحها .
الجميلات والجماهير
وثمة أثر آخر كان للجمال النسائي ، وهو أثرهن في الجماهير ، نضيفه إلى أثرهن في الأفراد لنلم بالجوانب المختلفة لذلك السحر الفعال .
لقد انبعث هذا التأثير من الممثلات والراقصات بنوع خاص ، ولعلنا نستطيع أن نكتفي بالإشارة هنا إلى اثنتين منهن ، طبقت شهرتهما الآفاق ، وهما الممثلة « سارة برنار » ، والراقصة الأمريكية « إيزادورا دونكان » .
لقد كانت سارة برنار ، ذات الوجه الجليل الدقيق الشاحب ، والشعر الذهبي المنتشر كالغلالة ، والقد المرن المشوق ، تملك موهبة خاصة في القاء الشعر ، لعلها
كانت مصدر سحرها الأول ، حتى لقد وصف أحد النقاد تلك الموهبة بقوله : « أنك لا تستطيع أن تمتدحها لأنها تجيد القاء الشعر ... لقد تجسمت فيها إلهة الشعر ذاتها ، ولم يكن للذكاء ولا للفن في ذلك أي دخل . لقد كانت تقودها غريزة خفية . كانت تلقي الشعر كما يتغنى العندليب وتئن الرياح وتهمس المياه ؛ كانت تلقيه كما كان يلقيه لامارتين وهو في شيخوخته » .
ومن الغريب أن مظهرها الخارجي كان كله ينطق بالشعر ، حتى لقد وصف هذا المظهر فقال : « أنها كانت نفثة من دخان ، وهبة من ضباب . كانت لمحة خاطفة لملامح رقيقة تغطيها خصلات من شعر وغلائل كالسحب . »