اطل علينا في مطلع هذا الفصل ، فصل البرد والصقيع ، وجه نسوي يحمل مع جلال الشتاء ونضوج الخريف روعة الربيع وحرارة الصيف .
عرف اللبنانيون قبل الحرب الاخيرة ادب هذه « السياسية العالمية » السيدة جنفييف تابوي من مقالاتها في جريدة « الاوفر » وقرأها النشء الطالع في كتابها الاخير « العظمة والذل عند الاميركيين » . وكنت اثناء سنوات الحرب اقرأها في امهات صحف البرازيل التي كانت تحيط اسمها بهالات من الاعجاب والتقدير .
واجتمع في الندوة اللبنانية بدعوة من مؤسسها المجاهد المجهول الاستاذ ميشال الاسمر ، هذا النفر من الناس الذي ينتظر الساعة السادسة من كل يوم اثنين ليستمتع بلذاذات الادب والفكر يهيئها ارباب الثقافة في هذا البلد بعد الدرس الشاق الطويل ، ويقدمونها لنا غذاءً روحياً علوياً ينسينا ساعة من الزمن فوضى السياسة ، وصخب الحياة اليومية المضنكة ، وسلاسل الضائقة الاقتصادية التي لا يمر يوم الا وتزداد ثقلاً في اعناق حامليها - وحاملوها هم انت وانا يا قارئتي العزيزة وانسباؤك وانسبائي وجيرانك وجيراني .
ولعلي - انا العائدة من بعيد - اتفرد بشعور خاص لا يحسه الداخلون الى هذه الندوة المباركة . ذلك اني كلما سمعت محاضرة لذيذة - وما اكثرها في الندوة اللبنانية - ابارك ميشال الاسمر الذي
ينسيني شوارع هذه العاصمة المخجلة حقاً . وهذا القاموس من الالفاظ البذيئة تسمعها وانت سائر بين هؤلاء الناس وقد قالوا لهم لا تسبوا المذاهب ولا الصلبان ولا اصحابها ولا الاله الذي في السموات ، فسمعوا واطاعوا ولكن الطبع الغالب يأبى الا ان يسبَّ احداً ... لهذا ينهال هذا الناس على امهات واخوات وخالات وعمات بعضهم بسبحة طويلة من الشتائم تذكرنا ان بيننا وبين الحضارة هوة سحيقة .
ولكن ... مالي ولهذا الذي يثير ألمي في كل ساعة ، وكل مرة اسير بين الناس في الشارع ، لنعد الى السيدة تابوي .
وجه نبيل يظهر على قسماته هذا الذي لا يُنعت ، اعني الروعة الهادئة التي تطبعها حياة الدرس والتفكير والجدّ والعمل على وجوه اهل الرسالات من الادباء الذين يحملون مع همومهم الخاصة هموم انسانية لا تخرج من بركان هدأت نيرانه حتى تدخل في بركان يشتعل من جديد
كان محور المحاضرة « العالم بعد مؤتمر لندره الفاشل » فرسمت لنا السيدة تابوي صوراً خاطفة عن المؤتمرات التي تتابعت منذ اواخر الحرب واوصلت العالم الى المأزق الاخير . فرأينا روزفلت المحتضر يستمهل القبر ساعةً ويجرجر نفسه الى مؤتمر يالتا . يالتا التي لم تسجل بروتوكولاً رسمياً بل بشرت بمولود مسخ كشرت عند رؤيته هذه البشرية التي وعدوها بمولود ملائكي يحمل في فمه غصناً اخضر . ثم كلمتنا عن الدور الذي قام به الجنرال ايزنهور يوم رفض مشروع السيد
تشرشل القاضي باحتلال البلقان وسمح لجيوش السوفيت بتحرير اوروبا الشرقية ، وحملتنا الى مؤتمر سان فرنسيسكو بعد موت روزفلت فخيل اليَّ اني ارى المسخ الذي وُلد في يالتا وقد نبت له في رأسه قرنان صغيران ... واخذت المحاضرة تنتقل بنا من بوتسدام الى موسكو بعد مؤتمر الاربعة الكبار في لندن حيث تنادى الحلفاء للمبارزة ...
قالت : « حاول جورج بيدو مندوب فرنسا ان يقوم بدور المصلح الوسيط بين المعسكرين - موسكو وواشنطون - هذا والشيوعيون في فرنسا يفوزون في الانتخابات الاخيرة بثلث المقاعد النيابية وبعض الوزارات . فلما اعلن الرئيس ترومان عزمه على مساعدة اليونان وايطاليا وتركيا قلبت السياسة الروسية - هي الاخرى - صفحة جديدة فاعلن مولوتوف انه يحمي وحدة المانيا ... وهكذا شُطرت المانيا واوروبا ومعها العالم الى شطرين . »
ثم كلمتنا السيدة تابوي بكثير من اللباقة عن الظروف التي دعت الجنرال مارشال الى اذاعة مشروعه الشهير الرامي الى اسعاف بؤساء اوروبا بشكل فعّال فلا تجد الشيوعية بعدُ تربةً صالحة . وعن اجتماع السادة بيفن وبيدو ومولوتوف في باريس وعن رفض السوفيت والبلدان العائشة في ظلها كل نقاش في المشروع الى ان بشرتنا بولادة الكومنترن ولادة ثانية تحت اسم الكومنفورم وهنا قالت :
« فجُنَّت الصحافة الاميركية واخذت تتكلم عن كارثة عالمية قريبة وانبرى والتر ونشل الذي يصغي الى اذاعاته في الراديو مئة مليون من الاميركيين واطلق صرخته الداوية : « استيقظي يا اميركا ! » فأعيد التسلح وسار القوم الى الاسراع

