
تيموتاوس فهو بطل مهازله . يناديه بيليق حتى بعد الكهنوت فيجن الخوري ولكنه يخاف الوقوع في لسانه فيسكت على مضض . وزكريا لا يرحمه ابدا . يعرف انه خراط ، ويدعي البطولة ويموت فزعا ان وزوزت الديانة ، فيفتري عليه الاخبار والمغامرات العنيفة .
تجمع الناس وقامت صلاة الخورس ، قص السنكسار حكاية المحاكمة والجلد والصلب فتعالت تأوهات العجائز وتنهدات الشيوخ كأن الضرب يقع على جلودهم . تلى الريش قربان - فصول من اشعيا وارميا الخ . - واخيرا خص الخوري تيموتاوس الشدياق زكريا بتلاوة ( البركسيس ) - فصل من اعمال الرسل - فقرأ ببراعة فصلا أعده منذ العصر ، وهو خبر تلك ( التلميذة ) التي ماتت في يافا ، ودعي مار بطرس من لدة - اللد - خصيصا ليقيمها من الموت . فما بلغ زكريا هذه العبارة ، وصلى بطرس وصرخ : ياطابيتا قومي ففتحت عينيها ، حتى صاحت طابيتا من بين النساء : ليتك ما تفتح عينيك . يقصف عمره ما اثقل دمه . هذا شدياق ، هذا قنداقت ، هذا شيطان .
فضحك الجميع حتى الخوري العتيق ، اما زكريا ، وتلك عادته ، فما خف وقاره ولا نقص بل مضى في فصله حتى النهاية كأنما لم يكن شيء مما كان .
وتلا الخوري تيموتاوس بضعة اناجيل بصوت مرتجف لان الصدمة لم تكن هينة . وختمت الصلاة وارفض الناس حزنانين .
وصباح يوم الجمعة تنافسوا في جمع الازهار اشكالا والوانا ، وجاءوا يطرحونها على قدمي الصليب المنصوب في ( الباب الملوكي ) . وقرب الظهر جنزوا وطافوا بالتابوت ثلاث مرات في صحن الهيكل ثم قبلوه واحدا واحدا مودعين . ودفنه الخوري والشامسة خلف المذبح ليقوم في اليوم الثالث كما هو مكتوب .
وعادوا عشاء وتألبوا حول خوريهم فقعد المحترم على حجر عال ، والتفت حوله زكريا ورعيته . ومشى الحديث ، فصلاة الجمعة خفيفة . شرع الشدياق زكريا يجز من عطف المحترم ، ويحك له على الوجع ، فاستعرض ذكريات شبابه قبل ان قطته امه بثياب الدرجة المقدسة . فذكر احدهم دق الجرس فقال زكريا : ابونا تيموتاوس دق جرس مار ابرا خمسين نزلة .
فقال الخوري : وانت الصادق يا شدياق مئة وعشرين نزلة بيدي التنتين ، وفوق
العشرين بخصري .
واستكبرها احدهم ، وقال : أف ، به زكريا : اسكت يا هو ، انا اخبر منك قدامي انا قطع زنجير حرس دير قزحيا بكبسة واحدة . لو خبرتك عن جرن مار ساسين حاقل كنت تجن . لعب باسيمين اقة لعبا ، وخرزة بير كنيستنا هذه لو كان لها لم تشهد ثم التفت الى الخوري وقال له : بحياة قدسك يامعلمي ، تخبرهم .
فتنفس الخوري وقال : نسيت ، ذكرني يا شدياق .
فقال زكريا - قصة المارد .
- قصة المارد ، مارد حب ان يتمدى علينا ، مزعت رقبته .
- كمل لا تستحي .
- راح رأسه عشرين شقفة .
- اجرك كبير استراح الناس من شره .
فتهامس الناس قائلين : اذا اخبار المارد صحيحة
فسمع زكريا فأخذ يتهزأ بهم ، الخوري يخبرنا ونقول صحيح ، صحيح . ثم التفت زكريا الى جماعته بهيئته الجدية المضحكة ولم تتكلم الا عيناه ، واطرقوا جميعا عاضين على شفاههم ، ثم حول وجهه صوب الخوري وقال : ما لك ! اخبارك الليلة قطف ، لا تغير عادتك .
فألقى الناس الى سماع اخبار خوريهم وظنوا انه يأكل بشرا . اما الخوري جرجس فاخذ ينفخ ويتأفف ويحاول ان يقول كلمته ، فيمنعه ابنه ، فيدمدم ويسكت .
وانتظر زكريا شيئا من الخوري فلم يكن فقال : اسمعوا آخر خبر ، هذا اعظم بكثير من الاخبار التي سمعناها فقال الخوري : اي هو ؟ فأجاب زكريا : المتر الذي لاقاك لما كنت راجع من عند . . . من عيد مار نحرا . فضحك الخوري وقال : ذاكرتك طيبة يا شدياق ، بطحته في النهر ، وبعد ما شبعته قتلا كبست على صدره كبسة واحدة فبق الدم .
فقال احدهم : قالوا شلحك .
- شلحني ، مسكين ! طرحتني نفسي ونويت على قتله ، ولكن قلت : اتركه ياصبي ، لا ترمي ضيعتك ببلية ، كانت الحادثة في خراج الضيعة .
فبدرت من الخوري الشيخ كلمة تخينة تداركها ابنه برفع صوته فطمرها . . . ولم ينقطع سياق الحديث .
واخبر السمر البريء الى تلاميذ المسيح ، فتعجب الناس كيف جبنوا وتركوا المخلص
بين ايدي اليهود . لم يذكروا خبز وخمر العشاء السري فما سهروا معه ساعة واحدة ، تركوه يبكي وحده في البستان ، وبطرس الذي اتهم وادعى الرجولية أنكره ثلاث مرات قبل صياح الديك .
واحتدم جدالهم فأمست لهم ضوضاء كأنهم على الجلجلة ساعة الصلب . فقال زكريا بسذاجة ماكرة : ياحسرتي الرز ضاعت ملاعقه . لو كان ربنا في ايام معلمنا الخوري تيموتاوس كان عرف اليهود قيمتهم .
فأحس بها الخوري قليلا ، ولكنه بلعها . وقال بجدة : سمع يا شدياق ، هذه ارادة ربنا يسوع المسيح له المجد ، وهو لو حب امحى اثر اليهود ، سمعت قول الانجيل أمس ، كلمته «انا هو» ، قلبتهم على ظهورهم .
واعجب الخوري ببلاغته هو ، فتحرك ايما تحرك ، فبست لحيته المرعزية تحت ضوء القمر ، فضحكت زمرة زكريا فجارى الخوري في الضحك بلا سبب ، ولكنه لم يقف ، بل التفت الى القوم التفاتة منطقي ادلى ببرهان ذي حدين ، فرجحت الروس اعجابا ، وانغلبت شفاه عديدة استكبارا . ورأى الخوري طابيتا شاخصة تأكله بعينها ، فتذكر ايام لم يكن جسده هيكل الروح القدس ، ولاذ بالنعمة فأخزى الشيطان . وأشرأب وتقرعن .
اما زكريا فاحتى بيديه وقال : الحق مع بلي . . . . . مع الخوري . والله العظيم لو كان حضر المعركة كان تنفخية قيافا ويوحانان . فهز الخوري رأسه وقال : هذا نصيبنا ، ما احلى ما يقدر الله .
وطاب الحديث للخوري فانبسط زكريا وقال : لكن خوف الرسل بين ياعلمي ، هذا مار يحنا حبيب المسيح كان اول الهاربين ثم لاحظ كم مرة فزعوا بعد القيامة . اذكرك انهم كانوا يفزعون من خيالهم . . . مساكين . فقطط الخوري وقال : لا يخلو الامر عندهم شي من هذا . لو كانوا كما يجب ما قال عنهم مار بولس : واختار ضعفاء العالم ليخزي الاقوياء . فصاح زكريا بلهفة : هذا الصحيح ياعلمي . وسمع الخوري جرجس هذا الكلام فتهيأ واستعد فهدأه ابنه . اما الناس فكانوا يصغون الى الاثنين معجبين بفصاحة خوريهم وبراعة شدياقهم .
وسأل احدهم عن سبب ظهور المسيح للنساء اولا ، ثم للتلاميذ . فاجاب الخبيث زكريا : حتى يشيع الخبر حالا . النسوان لسانهن طويل .