
إن من اهم الاخطار المحدقة بالنسل البشري هو خطر الامراض العقلية وسعة انتشارها في وقتنا الحاضر . وساحاول في حديثي الليلة ان اكشف لكم عن بعض الحقائق المؤسفة والارقام المالية التي توصل اليها الاخصائيون حول الامراض العقلية والتي اراها اليوم تحدد العالم المتمدّن .
انا اؤمن بالقوة البيولوجية الكائنة في البشر والتي ستتغلب حتماً على الضعف العقلي عندما يبدأ العقل البشري في التقدم المطرد الى ان يوفق اخيراً في الانتصار على الضعف العقلي والوصول الى نتيجة حسنة بالنسبة الى الحالة الراهنة . لكن هذا يتطلب وقتاً وصبراً .
يؤسفني ان اقول ، إن هذا الدفاع الطبيعي ضد الامراض العقلية ليس نشيطاً في عصرنا ، حتى ان سيره ليكون معكوساً . وليست هذه النتائج من تقاريرنا - نحن الاطباء المختصين - بل من تقارير الرياضيين الذين يدرسون تجاربنا وتقاريرنا الشخصية عن المجانين ويستخلصون منها نتائجهم ويفرضونها علينا فرضاً ، ونحن بدورنا نذيعها على العالم المتمدن مرغمين - وحبذا لو كان في مقدورنا تحسينها .
إن النتيجة الحاسمة التي اتفق عليها الرياضيون «Mathematician» نتيجة دراساتنا وتقاريرنا العقلية في زيادة مطردة وان ذكاء البشر عموماً يضعف يوماً عن يوم والاطفال الذين يولدون وهم متوهون يتضاعف عددهم كل عشرين سنة ، وبعد عشرين سنة من اليوم - اذا صح زعم الرياضيين ، وليس من مبرر لتكذيبهم - يصبح عدد الذين يقبلون لسماع محاضرة كهذه نصف ما هو اليوم ، ويكون النصف الاخر ملتهياً بمهام تافهة لانه يكون قد انحط عقلياً ولم يعد له الجلد للاصغاء الى محاضرة علمية تتطلب تفكيراً .
وبما ان الحالة من الخطورة بحيث سيضاعف عدد المصابين بالامراض العقلية كل عشرين سنة بات من المحتم علينا ان نسرع لتلافي الخطر ونقرر مصيرنا قبل ان يزحمنا الضد ونصبح نحن ، او اولادنا من بعدنا ، من ضحايا هذا المرض الهائل .
ترغم انكلترا ، وان زعمها لصحيح ، ان نسبة الاصحاء العقول من ابنائها هي اعلى نسبة في العالم ومع هذا فان عدد المتوهين الذين أحصتهم مستشفياتها قبيل الحرب الاخيرة بلغت ١٦٠٠٠٠ وكان عددهم على ازدياد بنسبة ١٦٠٠٠ اصابة كل سنة . إن الاحصاءات حول هذا الموضوع لم تنشر منذ ابتداء الحرب ، انما المعلوم ان عدد المصابين بالتقريب قد تضاعف عما كان عليه قبل الحرب . وفي سنة ١٩٣٩ بلغ عدد المتوهين في مستشفيات سكوتلندا ٢٠٠٠٠ وهذه الارقام لا تشمل الذين يولدون متوهين ، بل تقتصر على الذين يصابون بالعته وهم بالغون . . . ويوجد اليوم في انكلترا ٦٠٠٠٠٠ طفل مصاب بنقص عقلي . وهذه النسبة ( ١٠ / ٠ ) عشرة في المئة من عدد الاطفال في انكلترا . وان هذا العدد لفي زيادة مطردة .
إن ارقام الولايات المتحدة لا تقل خطورة عن هذه . فقد بلغ عدد المتوهين في مستشفيات الحكومة للامراض العقلية ، في سنة ١٩٣٨ ، ٥٠٠٠٠٠ مصاب وكان العدد في ازدياد بنسبة ١٦٠٠٠ كل سنة . اما عدد الاطفال الذين يولدون وفيهم مس من الجنون ، فلم يُحص بالضبط ولكنه يتعدّى المليون .
اما في الشرق فان عدد المجانين ونسبة زيادتهم السنوية ليست باقل فداحة مما هي عليه في الغرب . وأميل الى الاعتقاد بانها اكثر فهذا المرض شامل العالم كله بدون استثناء وليست هنالك امة واحدة يمكنها الادعاء بان لها مناعة طبيعية ضده .
لقد آن لنا ان نجاهر بان عدد الاشخاص الذين يبعدون عن الكمال العقلي في تزايد دائم واذا استمر هذا التزايد بالنسبة الحاضرة فانه لا يُستبعد ان يسطو في المستقبل القريب ، عدد البله على عدد العقلاء . وكأني بكم تقولون لي ولامثالي من الاطباء المختصين في هذا المرض : « ماذا انتم فاعلون بصدد هذه الغارة ؟ واذا كان الطب العقلي قد تقدم كثيراً كما تدّعون ، فلماذا لا تشفون هذه الطائفة السيئة الطالع ؟ » وجوابي على هذا هو اننا دائماً
نشفي هؤلاء المجانين ، نشفيهم بالالوف والملايين ولكن لقد آن لنا ان نستمزجكم في الامر ونأخذ رأيكم فيما اذا كان يجوز لنا ان نستمر في شفاء هذه الطائفة والسماح لها بالعودة الى المجتمع فالاختلاط ، فالتزاوج ، فالتناسل ؟
نحن - الاطباء - لسنا مستعدين على تحمّل المسؤولية واعطاء قرارنا على اساس النظم الطبية ونرغب ان يكون الرأي لكم ، بناء على النظم الاجتماعية ، الادبية .
منذ خمسين سنة . كان الرجل المصاب بمرض عقلي ، له امل ضئيل في الشفاء ، واذا اعطي فيه تقرير بانه مجنون كان يحبس في غرفة مقفلة طيلة حياته وكان يعامل بلطف في مستشفى المجانين . اما اليوم فالحالة تختلف كثيراً عما كانت عليه آنذاك والرجل المصاب بمرض عقلي يعامل كرجل مريض - حتى في حالة الهياج ، عندما يجر المريض الى المستشفى جراً ، يكون امله في الشفاء ( ٥٠/٠٠ ) خمسين في المئة .
إن الوسائل الحديثة لمعالجة المجانين تضمن لاكثر من ثلثهم ان يحصلوا على الشفاء التام - ونعني بالشفاء التام ان لا يعود المريض يحتاج الى مراجعة طبيب عقلي او دخول مستشفى ولكن امراً واحداً لا يستطيع الاطباء التأثير عليه اذ ليست لهم السلطة على ذلك بعد - الا وهو قابلية الوراثة لان الكثير من الامراض العقلية تأتي عن طريق الوراثة . ونحن عندما نشفي الافراد من امراضهم العقلية ونخرجهم الى المجتمع احراراً ، لهم مطلق صلاحياتهم في التزاوج وبذر العالم بنسل ضعيف العقول . . . بينما منذ خمسين سنة كانت هذه الطائفة تقضي بقية حياتها في مستشفى المجانين انما التناسل امر بحال - .
هذه هي الحقيقة المؤسفة ، وهذا هو الواقع فهل نحن مصيبون ام مخطئون في شفائنا لهؤلاء المجانين ؟ هل نحن مصيبون في شفائهم وارجاعهم الى مجتمعهم احراراً ، يحمّلون الانسانية مصائب جديدة ؟ ام الاجدر بنا ان نحفظ هؤلاء المجانين داخل المستشفيات ولا نطلق حرياتهم ما لم نتأكد من تعقيمهم وعدم امكانية تناسلهم ؟ دفعا لازمة ازدياد المجانين التي نحن في صددها ؟
هذا الرأي ليس للاطباء ان يقرروه ، بل الرأي لكم - انتم الطائفة المفكرة من هذا العالم ، وليكن قراركم بسرعة ، قبل ان يستفحل الامر وتطغي عليكم الطاغية .
كان من بين مرضاي ، في احد مستشفيات الامراض العقلية ، امرأة ذات جنون حاد ، وهذا المرض من شأنه ان يهيج المريضة الى