تابع لما نشر في الصفحة ٢٧
فتمتمت طابيتا كلمة فهمتها جاراتها وضحكن ، ولم ينتبه لها زكريا لانه يعد رمية جديدة فقال : معلمي ، يا ترى لو ظهر لك المسيح تفزع منه مثل التلاميذ ؟
فابتسم الخوري كالمحاذي وقال : ما قولك انت ؟
فقال زكريا : قولتي انا ... ياجبل ما يهزك ريح .
فأجاب الخوري : هذه نعمة بعيدة عني ، انا عبد خاطي . ثم تنهد تنهيدة عظيمة وقام الى الصلاة وهو يقول : ياليت ، ياليت .
ودخل الكنيسة يواكبه زكريا ويقول على مسمع من الناس : من يعلم ، من يدري . عجائب الله كثيرة .
اما الخوري العتيق فتحلحل ونهض وهو يقول : ايه ، صرنا ملعبة .
فغمز ابنه طرف جبته فصرخ : اتركني ملعبة واكثر ، لولا العيب والحيا كنت احش لحيتي ، خوري جلول .
***
وبعد ظهر السبت قلعت الكنيسة ثيابها السود وتزينت ابتهاجاً بقيامة الذي وهب الحياة لمن في القبور ، فصلوا صلاة خفيفة زحزحت الكابوس عن صدورهم وعادوا الى بيوتهم فرحين بعد ترنيلهم : المسيح حقاً قام .
اما الخوري جرجس فظل في الكنيسة يصلي منتظراً قداس نصف الليل ، وكان بعض شيوخ وعجائز يأتون لزيارة القبر . وما انتصف الليل حتى عاد الخوري تيموثاوس وقرع الجرس قرعاً ذكرهم بشباب ( بليق ) الاغر فخف الشعب الى الكنيسة وانقسم الشمامسة جوقتين يخدمون القداس . وفي مثل الساعة التي تدحرج فيها الحجر عن القبر ليقوم السيد اقبل الخوري تيموثاوس على باب الحنية الأيمن يبخر ويرتل بالسريانية معظماً من غلب الموت بالموت ويسأله الرحمة لجميع المؤمنين .
فطلع اليه من خلف المذبح - حيث القبر - شيح عليه ملحفة بيضاء ، فتراجع الخوري مذعوراً ، وتقدم الشيخ ووقف بالباب . فصرخ الاولاد والنساء ووهل الرجال واستبق الجميع الباب .
وأفاق الخوري جرجس من سهوته على الضوضاء ونهض يستخبر فرأى امامه الشدياق زكريا فقال له : أيش صار ياشدياق ، أين راحوا ؟
فاجابه زكريا : هربوا ، ظهر لهم المسيح .
فتعجب الخوري وقال : وأين الخوري تيموثاوس ؟
فقال زكريا : راح معهم .
فضرب الخوري بيديه على فخذه وقال : يه ، يه ، يه ، يه ، ياهتيكتنا ، فزعوا من حمل الله !!
ثم تفكر قليلاً وقال لزكريا باشمئزاز : عيب ياشدياق ، عيب ، انت رجل طيب ، الله غضب على الضيعة ورسمه خوري . غلطة وقعت ، العصمة لله وحده .
فغمغم زكريا كلمات ، وهدج الخوري
ليعيد الناس ، فسمع زوجته - الخورية - تقول : لو كان لنا حظ كان ظهر المسيح لخورينا .
فصاح بها الخوري : صدقت بامتهوبة ، روحي صلي روحي ، هذا وجه من يظهر له المسيح ؟
وما خطا خطوات حتى عاد الخوري تيموثاوس والرعية مستحين . فقال له الخوري جرجس بكل هدوء : كمل قداسك خلصنا .
اما زكريا فظل واقفاً عن يمين مذبح البخور كالملاك ... تقول عيناه لصاحبه الخوري تيموثاوس أشياء كثيرة ...

