... ما رف مرة في خاطر التاريخ طيف امرأة عليها مطارف من ارجوان ، إلا ورف معه طيف شاعر من شعراء الارض .
وما انصت العالم مرة لشاعر من شعراء الارض ، يفلت قلبه غناء حلواً على الليل او ينتفه قطعاً حمراء الا احس بطيف عذراء إلهية ترخي شعاعات روحها في روحه ، او يبد امرأة ضائعة ، تعمل على تنظيف ذلك القلب .
امرأة جميلة من بنات اسرائيل ، امرأة اوريا الحثي ، رآها الشاعر النبي داود تغتسل ، فسجدت نبوته عند قدميها ونامت نبوته في احضانها . وكانت المزامير اروع اناشيد القلب البشري المتسحق ... ولولاها لمات داود واندثر كما مات الف رجل من رجال اسرائيل . ولماتت هي ، على جمالها واندثرت مثلما ماتت كل بنت من بنات صهيون . ترى لعمري ، اي حظ كان (لموناليزا) من الخلود لو لم ترها عينا ليوناردو ده فنشي فيذوب شعلة عبقريته على فمها ويجعلها بسمة على فم الدنيا ؟
وهل كان ليوناردو ده فنشي نفسه كل ذلك المجد السماوي لو لم تكن موناليزا في الوجود ؟
هل كانت للإنجيل نفسه كل تلك الروعة الالهية لو لم يلتق الناصري ، مريم المجدلية ربيبة الشياطين السبعة ، فيدحر نور الالوهة ظلام البشرة الضعيفة ،
وتذبح طهارة عيني الاله ، الوحش الذي كان في اعماق المرأة الزانية ، التي باعت نفسها من الشيطان .
وخطت المرأة ، في الإنجيل نفسه ، سطراً كبيراً خالداً ما يزال نوره يشع في ضمير كل امرأة تبيع نفسها من الشيطان ثم تستردها لتبيعها من الله ..
منذ كانت الدنيا ، وهذان المخلوقان الشاعر والمرأة يسيران معاً . قلبه يدق في قلبها وانشيدها تتصاعد من قلبه .. وقلبه في جوع ، ونفسه في حرقة .. والمرأة وهم ..
يفتح الشاعر عينه ، والمرأة التي يحبها وهم ، وهم تروقه المخيلة الخصبة ، عليه من الوان الخيال ، ومن الوان الربيع ، فيغنيها كل ما في قلبه من محبة ويزفها كل ما في خياله من بكورة ويلون فمها بالوان الفجر ، ويخلع عليها وشاحاً نورانياً .
ويفيق ... من غيبوبة الخيال على لطمة عنيفة في قلبه ، فالمرأة التي خلع عليها النور ، هي امرأة من الناس ، عادية ، ثرثارة ، تعيش على التراب .
هو كالنسر يجوب رحاب الجو ، وهي كالدجاجة لا تعيش إلا في التراب هو يريد سماء للاله الذي فيه ، وقيثاراً لجميع ما في قلبه من اغنيات ، ومذبحاً يقدم عليه قرابينه ، فيصدمه عالم الحقيقة بصخره وسنديانه ومقالعه واشواكه . فالمرأة التي خالها الهاً ليست الهاً ، فيزيحها من طريقه ليفتش عن سماء
لقلبه ، ويظل يفتش ويظل عالم الحقيقة يصدمه ، وفي كل يوم يبني هيكلاً ، وفي كل يوم يهدم هيكله .
والواقع ان الشاعر لا يمكنه ان يخلص لامرأة واحدة ، ولا ان يحب امرأة واحدة ، لانه يحس النساء جميعاً ، وبمعنى آخر هو يحب الحياة الجميلة ، ويود لو انه يحتضن كل اسرار الحياة والجمال .. هو يحب في المرأة « شيئاً » ، ويفتش عن هذا « الشيء » في عيني العذراء وهو يغني لها اغنية الحب الطاهر ، وفي ذراعي المرأة الضائعة وهو يغني فتوته الخضراء في جسدها ، ويلهب عبقريته بسواط الشهوة المميتة ، فيود من هنا ومن هناك بخيبة مريرة : لا في هذه ولا في تلك وجد « شيئه » .
كلتاهما للنار . كلتاهما لابليس
انما الشاعر يحب في المرأة الحب وحده اما المرأة فلا . وهو يحب لانه بحاجة الى الحب ، بحاجة الى سوط يلهب برودة لياليه ، هو يحب في المرأة الوحي الذي يثيره جمال المرأة ، اما المرأة نفسها فهي تخيفه وواجبات الحب تقلقه ، وفروض الطاعة تهتاج كبرياءه .
ويتعذب ، ويُعذب المرأة التي يحبها ، ويسم حياتها ، ويوقدها حطباً يتدفأ بناره .
ومن هنا ينشأ سر عظمة هذا الحب بين المرأة والشاعر ،
ومن ثم ، فهو بحاجة دائمة الى الهاب عبقريته بنار جديدة ، بحاجة الى حب عنيف امر صاخب ، بحاجة الى اصوات كثيرة تشوش عليه سكينته . فالرماد لا يحرق قلباً ، والانغام ذات الوتيرة الواحدة لا تحرك عاطفة ، والجو البارد لا يدفي روحاً ، وبالخلاصة فالمرأة الواحدة لا تشبع جوعة هذا المخلوق

