رأيتهم... ثلاثة اطفال، كبيرهم في العاشرة، وصغيرهم في السابعة، يركضون خلف بائع الصحف ثم يخرجون من جيوبهم كل واحد خمسة ملات تساوي كلها ثمن الصحيفة، ويتناولها اكبرهم ثم يسيرون: الكبير في الوسط والصغيران على جانبيه. هو يقرأ وهم يصغون... واقتربت لأرى ما يقرأون فاذا بها اخبار الجهاد.
ورأيتهن... طالبات يتركن مقاعد الدراسة، مئات، ليتظاهرن احتجاجاً على تمزيق فلسطين؛ فيسرن بانتظام: الصغيرات وقد ولدن في الحرب، ما تظاهرن من قبل ولا انشدن؛ والكبيرات، وهن يذكرن امثال هذه المظاهرات في طفولتهن. كلهن يسرن خلف الاعلام الخفاقة. وكلهن ينشدن: «سر الى المجد بنا»
ورأيتهن... شابات يسرعن عشرات لينتظمن في صفوف الاسعاف. الكبيرات وعمرهن بين الثامنة عشرة والعشرين، والصغيرات بين الرابعة عشرة والسادسة عشرة. قلت لهن أتستطعن رؤية الدماء وضمد الجراح؟ قلن كلهن: اجل اننا نستطيع ويجب ان نستطيع. قلت في نفسي ما اسهل القول دون الفعل. وأطلقت القنابل ودوى ازيز الرصاص فما راعني الا ان اراهن، تسرع الواحدة منهن الى شعار الاسعاف رسم عليه الصليب والهلال متعانقين، فتربط الشارة على ذراعها، ثم تركض في الشوارع ملتصقة بحيطان المنازل لتتحاشى الرصاص الطائش. تركض الى حيث يدعوها الواجب المقدس.
ورأيتهن... كرام العقائل يخرجن من خدورهن ويتجمعن. فتتلى الخطب، وتنشد الاناشيد، ثم يسرن صفوفاً الى بيوت الله: الجوامع فالكنائس. يقفن هناك خاشعات هاتفات: «اللهم ان كنا قد قصرنا في حق الوطن فامسح اساءة الماضي بتكفير الحاضر. اللهم ها نحن امام عهد جديد فهيئنا ان نخوض المعركة بإسلات. فاما الحرية واما الموت»
ورأيتهم شباباً في العشرين او ما دونها، يتجمهرون في الاندية والجمعيات وهم يهتفون: «زيد ان نتطوع للدفاع.» فاذا قيل لهم صبراً الى ان تشكل اللجنة المختصة، ذهبوا لكي يعودوا في الغد وهم ينشدون انشودة الفداء: «زيد ان نتطوع...» نظرت الى تلك الوجوه الصغيرة التي ما عرفت الطعن أو الضرب من قبل: هذا وحيد لأمه، وهذا معيل عائلته... لقد تناسوا كل واجب الا واجب الفداء، فداء فلسطين الحبيبة.
ورأيتهم... شباباً يحمل الواحد منهم الى المستشفى لتضمد جراحه القاتلة، فيتوثب في سريره وهو يدافع الموت ويصيح: «لا اريد ان اموت ههنا خذوني الى رفاقي لاموت هناك، ثم يغمض عينيه الاغماضة الاخيرة.»
ورأيتهن اليوم كما رأيتهن بالامس: نسوة يحملن الطعام على رؤوسهن الى الجبال تحت ازيز الرصاص. زوجات يعود الزوج الى القرية مثخناً بالجراح فتنظر اليه باحتقار وأنفة قائلة «لماذا عدت؟؟»
أمهات ترى الواحدة جثة ولدها سابحة بالدماء فتقف على رأسه تزغرد للشهيد..
شيخات جمعت الواحدة القرش على القرش لتؤدي بالمجموع فريضة الحج، امنية حياتها. ولكنها اليوم تحمل الدراهم الى المجاهدين وهي تقول: «خذوها للجهاد، وكأنني اديت فريضة الحج...»
رأيتها امة تهب هبة الرجل الواحد وهي تنشد:
يا فلسطين اننا ها هنا.
ايه، يا امة استهزأت بالموت واستمرأت الجهاد... يا امة ما رضيت الذل مرة، وما هالتها كثرة الضحايا في سبيل الحرية.. يا امة جاهدت ثلاثين عاماً فما لانت لها قناة. ان الغد لك، والغد للصابرين. ان شاء الله..
عكا - فلسطين


