يلتقي شاب بفتاة في حفل فيستهويه جمالها ويقدم على الاقتران بها دون ان يتفهم نفسيتها .
وقد يسمع آخر بفتاة غنية فيطمع بثروتها لاستثمارها فيما يعود عليه بالنفع دون ان يقيم لصاحبة المال وزناً في نفسه وثمة شاب يغريه الجاه فينزع اليه ويقدم على الزواج حباً بالجاه لا بالزوجة . فالاول يقترن بالجمال والثاني بالمال والثالث بالجاه .
هذه امثلة على حوادث في الزواج تقع من حين الى آخر . والزواج على هذه الصورة مغامرة خطرة قد تؤدي الى شر العواقب لفقدان المبدأ الاساسي الذي تقوم عليه الرابطة الزوجية واعني بهذا المبدأ الحب الصادق المتبادل الذي يستند في تغذيته وتقويته وادامته الى تلاؤم متبادل بين الرجل والمرأة في المبادئ والميول والعواطف بحيث يتم الوفاق والاحترام ويحصل التساهل بامور كثيرة قد تكون مثاراً لفاجعة عائلية اذا حدثت بين زوجين لا نسبة بينهما في المدارك والخلق والثروة والجاه .
لذلك كان من اهم ما يجب على الشاب الالتفات اليه اذا اقدم على الزواج واراد ان يكون سعيداً في مثل هذا المجتمع القائم على الفروق والمراتب الاجتماعية ان ينتقي الفتاة التي تلتئم مرتبتها مع مرتبته وخلقها مع خلقه وميولها مع ميوله وحينئذ يأمن غائلة الاسترسال في شهواته ويضمن مستقبلاً عائلياً
محفوفاً بالهناء والبركة والسعادة .
وما يقال عن الشاب في انتقاء الزوجة يقال عن الفتاة في انتقاء رفيقها وقد يكون موقف الفتاة تجاه هذا الامر احرج من موقف الشاب لاسباب لا مجال لذكرها . وانما ينبغي في ظروف كثيرة ان يترك للفتاة الخيار في تقرير مصيرها فلا تجبر على الزواج من رجل تنفر منه لان مصلحة والديها تقضي بمثل هذا الزواج ، ثم اذا جاز لي ان اسدي نصيحة في هذا الشأن فانما هي محاذرة الشاب الذي يتعاطى المسكر والميسر وهما آفتان ما تسربتا الى بيت الا دمرتاه تدميراً .
بقي امر السن وهو من اشد الامور خطورة في مصير السعادة العائلية وخير ما يقال في هذا الصدد ان يحاذر الآباء تزويج بناتهم من رجال يفوقونهن كثيراً في العمر لما يترتب على هذا التفاوت من الاضرار من وجوه كثيرة .
الاسباب المؤخرة في الزواج
يحاول علماء الاجتماع ان يحملوا جميع المسائل العمرانية الى مبادئ اقتصادية وان يعالجوها من هذه الناحية وعلى هذا يمكن ان يقال ان السبب الاول الذي يؤخر الزواج هو اقتصادي محض والحقيقة ان عدداً كبيراً من شبابنا وجلهم من المستخدمين والموظفين لا يملكون المال الكافي لادارة البيت . ثم ان تطور الحياة الاجتماعية في هذا العصر وما يتبع هذا التطور من زيادة
تكاليف الحياة وتنوع مطالبها قد أثر كثيراً في افكار الناس وميولهم فصاروا ينظرون الى الحياة من زاوية جديدة واصبح المرء لا يرضى ان يكون اليوم كما كان بالامس . الامر الذي جعل الشاب والشابة يطمع كل منهما الى بيئة غير البيئة التي يعيش فيها فلا هو يقنع برفيقته من مرتبته ما لا ونسباً ولا هي تقنع بشاب تقعد به حالته المالية عن ارضاء مطامعها . والنتيجة التي لا بد منها هي ان يقضي الفريقان اجل ايام حياتها مفترقين . اما الشاب فانه يرقب التوفيق ويسعى اليه ، واما الفتاة فانها تتخذ من حكمة الشاعر « ما اضيق العيش لولا فسحة الامل » سلواها الوحيدة !
بيد ان هناك سبباً غير مالي يقف موقف المتردد في امر الزواج واعني به كثرة الملاهي وتعدد اسباب الملذات ولا سيما في هذا الزمن حيث تدفقت علينا مناهج الفنون الغربية على اختلاف انواعها ، فاستأسرت بعواطف الشبان واثرت على احوالهم ونشاطهم فصار الواحد يعتقد او يميل الى الاعتقاد بان الحياة لهو وان السعادة ، اذا كان هناك سعادة ، انما يجدها المرء في المقهى لا في البيت . وهي نزعة يخشى ان تتأصل في النفوس فتقضي على خير ما يطلبه الوطن من ابنائه الصادقين .
اما القول بان حياة العزوبة حياة حرية وطرب فقول مشكوك فيه ؛ ولا اظن ان من يذهب هذا المذهب يعتقد بصحته ويستطيع ان يؤيد قوله بالادلة المعقولة ؛ ان ازالة الاسباب المؤخرة للزواج صعبة وليس في وسعنا التعرض لها مباشرة وانما يمكن تخفيفها متى كثرت المشاريع الاقتصادية والزراعية ، ومتى تعددت اندية الرياضة البدنية
