صديقتي
اعتدت ان اكتب لك في الليل ، في هدوئه وسكينته ، في سحره وروعته ... كان ذلك ومرّت الايام وانقطعت عني اخبارك الى ان جاءني منك اليوم ما حرك عواطفي واثارها .. وها انا في الليل انفرد لاجيبك على رسالتك ، فاقبليني جريئة وتحمليني صريحة واسميني صادقة يا « مرغريتا » ..
حديثي اليك الليلة هو من وحي الليل ... وهو من ينبوع القلب وصوت الضمير ... ليس الليل بهادي كما اعتاد ان يكون فأزيز الرصاص يتصاعد في جو كئيب حزين .. ان القلم ليرتجف في أناملي اللحظة ، وصوت المدافع قرب الشاطئ ينبئ بخطر وخطر شديد ... لا سكينة ولا راحة .. لا نهار ولا ليل ... لا نوم ولا هدوء ... حياتنا هي جزيرة من الآلام والمخاوف .
تسألينني عن شعوري تجاه اميركا بعد ان اعلن التقسيم ، كما تخشين قطع علاقتي معك كونك اميركية وتريديني ان اكون صريحة في الاجابة فاسمعي يا مرغريتا :
لقد اصدرت اميركا حكمها فكانت ظالمة ولا غرو فقد سكت فيها الضمير وما كانت سوى ألعوبة أصوت المصلحة ... اما تلك الشعوب التي ايدت التقسيم فما كانت سوى فريسة لحواس النظر والسمع ... ان رنين الدولار فقأ اعينهم فهاموا في
دياجي الطمع والانانية ... ان رنين الدولار تعالى في آذانهم فأسكت فيهم نداء الضمير ...
تقولين ان اميركا في هرج ومرج تحتفل بعيد الميلاد ... وان الصغار ينشدون اناشيد السلام ... واشجار العيد تتلألأ تحت ضوء الشموع وتريدينني ان اصف لك حالنا هنا في يافا في العيد ... فبربك ماذا اقول انا لك وان قلتُ فهل ينفع القول؟؟؟
لقد جاء العيد ومر العيد وكأنه شبح سعى حثيثاً وما شعرنا بقدومه قط ...
هذه هي الحقيقة المرة ... وحين كنتم تحتفلون مرنمين اناشيد السلام كنا نحتفل بتشييع ضحايا الجشع الاميركي ... وحين كانت الاشجار تتلألأ تحت ضوء الشموع كانت اشلاء الاجسام البريئة الطاهرة تتلألأ تحت ضوء المصابيح الباحثة عن بقايا تلك الاجسام ... وحين كانت اصواتكم تتعالى بالضحك والغناء كانت اصواتنا تتعالى بالبكاء والنحيب ... وحين كنتم تقصدون الحوانيت لشراء هدايا العيد كنا نقصد المستشفيات لتضميد الجراح واغاثة الملهوفين البائسين ... وحين كنتم تعدون الكؤوس سكارى بنشوة الخمر كنا نعد جثث الشهداء سكارى بنشوة الدم وشتان بين سكرة الخمر والدم ...
وهكذا يا مرغريتا كنتم في واد وكنا لا نزال في واد . أما سؤالك عن شعوري نحوك انت وتخشين قطع علاقتي معك كونك اميركية فاسمعيني اجيبك ...
صادقتك يوم عرفتك تحبين الصدق وتقدسين الحق وتنشدين العدالة ، صادقتك وبعد ان اختبرتك وودعتك في ٣١/٧/١٩٤٧ يوم انتهى مؤتمر اوسلو وبعد ان عاهدتك على الوفاء فسأظل على عهدك بي مخلصة ومن شيم العرب حفظ العهود ...
اما الآن وقد قلت كثيراً فينبغي ان اقف عند هذا الحد آملة ان اسمع منك جواباً في اقرب وقت وسوف انتظر اجوبتك على اسئلتي التي تكون قد وصلتك الآن وكوني كما كنت صريحة صادقة ...
وقد اكون املتك بجرأتي على اني عرفتك تحبذين الصراحة فلذا جئتك صادقة وما نطقت بغير ما تنطق به الوف العربيات في مدينتي يافا ...

