متى وقفنا نراقب اولادنا في المدارس والجامعات ، وشباننا وشاباتنا في سير اعمالهم الحرة ، وحياتهم الاجتماعية ، نلمس فيهم ضعفاً ظاهراً ، ونحسه نحن ايضاً مستولياً علينا الى حد ما . وكم مرة حاولنا بجهد قهره والتسلط عليه ، وكم مرة داهمنا الفشل وتراجعنا خطوتين مفضلين الاحتجاب على الظهور ، مفضلين الصمت على الكلام ، رغم ما يجيش في صدورنا من افكار صائبة ، وآمال عالية ، وطموح هو سبيل الفوز والارتقاء .
لو أخذنا على غفلة منا ، بغير سابق انذار ، لنقرر في احد امرين لوجدنا انفسنا حائرين ، يسود على افكارنا الارتباك والتبلبل ، رغم ما يبدو في قرارنا من البساطة ... ولشعرنا بحاجتنا الى قليل من العزم للبت في الموضوع .
إن هذا المرض النفسي هو عدم الثقة بالنفس . وهو لعمري من الامراض الخفية التي تظهر نتائجها وتختفي اعراضها وراء حجب النفس المريضة ... وما يهمنا من الموضوع هو البحث عن سبب هذا المرض وتلافيه ، قبلما نرى اطفالنا من فرائسه ، وتضيع مساعينا في جعل تربيتهم قريبة الى الكمال .
يرجع غرس الثقة بالنفس في اطفالنا الى طفولتهم المبكرة ، فلا يجوز ان نفرض ارادتنا عليهم وندعهم يستسلمون للواقع بحجة انهم اطفال صغار لا يعرفون ... لا يعرفون كيف يغسلون ايديهم ، لا يعرفون كيف يلبسون ثيابهم واحذيتهم ،
لا يعرفون كيف يأكلون الخ ... خصوصاً فيما اذا كانت عائلة الطفل على جانب من الثراء فان المربية هي التي تنجز على الدوام كل واجبات الطفل . فاذا ما اظهر رغبة في الاستقلال باعماله الخاصة ، نهرته بقولها : « انت لا تعرف ! » فيرسخ في عقل الطفل انه لا يعرف ! وهذا هو الانتداب بعينه !
(١) اراد رياض وهو في الخامسة زيارة جاره فحذرته امه من الذهاب وحده ، ولما رأت فيه شجاعة غريزية ، وميلاً للاعتماد على نفسه ، سممت هذه المزية النبيلة بالمخاوف الشتى وقتلتها في مهدها . وارسلت طفلها برفقة الخادمة - يداً بيد - واكدت على رياض ان لا يترك يدها انلا تزل رجله فيقع !
انها بذلك قد صانت طفلها من اذى جسماني قد يصيبه ولكنها قتلت شجاعته وثقته بنفسه ، فهل ربح طفلها يا ترى ام خسر ؟ اما كان افضل ان تزوده ببعض الوصايا وتتركه يعتمد على نفسه ؟ وما ضره لو وقع في بادىء الامر فأصيب بجرح في ركبته او برضة بسيطة ؟ وما ضره لو اعتدى عليه رفيق في الطريق ولطمه ، فرد اللطمة باللطمة وجرب قوته وأثبت وجوده ؟
اذا شئتم ان تزرعوا في اطفالكم الثقة بالنفس عليكم اولاً ان تحرروهم من قيودكم . اتركوهم يسرحون ويمرحون دون رقابة شديدة ، تسلبهم حريتهم وبالتالي تقضي على ثقتهم بانفسهم ، وتجعل من هذا الكبت مظهراً سلبياً
يلتجئ اليه الطفل كمنفذ لنشاطه وحيويته .
(٢) نزار عمره اربع سنوات . تفرغت امه لاشغالها الخاصة وعهدت به الى مربية مختصة . وكثيراً ما سمعت الام تثني على اهتمام المربية بنزار وسهرها عليه . وكانت حياته اليومية سلسلة من : » اترك هذا القلم ! ابتعد عن ذاك الضوء ، لا تلمس تلك المزهريّة ، لا توسخ ثيابك ! « وكان على المسكين ان يطيع اوامرها دون اقل اعتبار لرأيه الخاص .
وشاءت الصدف ان اراقب نزاراً مع زمرة من الاطفال في حفلة شاي اقيمت لهم . فكان الاطفال الذين حظوا بقسط من التربية الاستقلالية ، يحسنون التصرف بينما نزار لا يفتأ ينظر الى مربيته ليستمد منها حكمة تمكنه من معرفة « ماذا يفعل ؟ » وهل يجوز له ان يأكل قطعة ثانية من الحلوى ؟
كدت اصرخ في وجه هذه المربية : » ان تنحي عن طريق هذا الطفل المسكين واتركيه وشأنه ، دعيه يستشعر سعادة الحرية التي يتمتع بها رفقاؤه ! «
لقد اثبتت التجارب البسيكولوجية ، ان طفلاً كنزار ، اذا اتيح له لوقت قصير ، التحرر من هذه الرقابة ، هاجت فيه الرغبة للحركة واظهار نشاطه الكامن فيسترسل في اللعب المزعج ، حتى يعيي ضبطه ، وارجاعه الى حالته الطبيعية من الامور الصعبة .
وكما هو مسلم به ، ان نظرية التربية الحديثة ، تقضي بان يترك الاطفال لمدة ساعة او ساعتين في اليوم ، يلعبون بملء حريتهم ، دون اية رقابة من شخص كبير ، قد يحجز عليهم بعض هذه الحرية . وكلما كان الاطفال ذوي اعمار متقاربة ، كانت الفائدة من ذلك اللعب اعم واقرب الى الغاية
