الحسناء! أساهرة انت ام نائمة؟ ومستغرقة في فرحة ام شرقة بالدموع؟
- ماذا! وللهلم! أهو انت؟ في هذه الساعة المتأخرة من الليل! لقد كنت ساهرة ابكي... وأسفاه! شد ما تألمت... ومن اين انت آت راكباً جوادك؟
- نحن لا نمتطي الجواد الا في منتصف الليل. واني قادم من اقاصي بوهيميا. وهذا علة وصولي اليك متأخراً لامضي بك معي.
- ولكن، يا وللهلم! الا تدخل هنا اولاً، فاني اسمع الريح تصفر في الغابة...
دعي الريح تصفر في الغابة يا صبيتي الحسناء، فماذا يعنينا من صفير الريح. ان جوادي يفحص الارض بحوافره، والمهماز يرن في شاكلتيه؛ وليس في الامكان بقائي هنا. هيا البسي نعلك يا لينورا، وتعالي اركبي رديفتي على صهوة الجواد، فان امامنا مائة فرسخ نقطعها قبل ان نبلغ الى مقرنا.
- وأسفاه: كيف تريد ان نقطع الليلة مائة فرسخ لنبلغ الى مقرنا؟ اسمع، هذه دقات الناقوس تؤذن ايضاً بانتصاف الليل.
- واها! واها! القمر مشرق وضاح... وما اسرعنا في السرى نحن الاشباح. واني اراهن ان سأصل بك الليلة.
- اخبرني اذاً اين مقرك، وكيف فراش عرسك؟
- بعيد. جد بعيد من هنا... ساكن، رطب، ضيق، يتكون من ستة الواح كبار واثنين اصغر حجماً.
- وهل فيه متسع لي؟
- لنا معاً، فتعالي يا لينورا. اركبي رديفتي على صهوة الجواد، فان وليمة العرس مهيأة، والمدعوون في انتظارنا.
فلبست الصبية نعلها، وبادرت بالخروج، وقفزت على رداف الجواد، ولفت ذراعين لها في بياض السوسن حول الفارس الذي تحبه، وانطلق الجواد ركضاً ينهب الارض نهباً. ودوى وقع سنابكه. وكان الجواد والفارس تكاد تنقطع انفاسهما، والحصى يقدح الشرر تحتها.
واها! ما اسرع تطاير المروج والاحراج والمزارع يمنة ويسرة اثناء كرهما! وما اشد قعقعة الجسور تحتها!
- أخائفة انت يا حبيبتي؟ القمر مشرق وضاح.. مرحى، كذا تكون سرعة الاشباح أتحافين أشباح الموتى؟
- لا.. ولكن ما لك والموتى؟ دعهم في سلام.. ترى ما هذه الضوضاء وهذه الاناشيد؟ والى اين تتجه تلك الاسراب من القربان، صه!.. هاتيك دقات ناقوس، وهذه اناشيد جنازة.
- انه ميت عندنا يراد دفنه
واقتربت الجنازة وتعالت الاناشيد مرددة الاصداء كالنقيق الاجش في جنبات المفايض والمستنقعات
- عليكم بعد منتصف الليل ان تدفنوا الجثة مشيعة بالنواح والاناشيد المعولة. اما انا فذاهب بزوجتي، واني ادعوكم جميعاً الى وليمة العرس. تعال ايها المرتل، انت وفرقتك. تقدموا واصدحوا بترنيمة الزفاف. وانت ايها الكاهن لتبارك زواجنا.
عندئذ انقطع النواح والاناشيد.. واختفى النعش، وسار مشيعو الجنازة وراء العروسين تلبية الدعوة.. مرحى!
مرحى! انهم يلاحقون الجواد عن كثب.
وانطلق الجواد ركضاً ينهب الارض نهباً، ودوى وقع سنابكه... والجواد والفارس تكاد تنقطع أنفاسهما، والحصى يقدح الشرر تحتها.
واها! ما اسرع تطاير المروج والاحراج والمزارع يمنة ويسرة اثناء كرهما، وما اسرع تطاير القرى والدساكر والمدن!
- أخائفة انت يا حبيبتي؟ القمر مشرق وضاح.. مرحى! كذا تكون سرعة الاشباح أتحافين أشباح الموتى؟
- أواه، ما لك والموتى؟ دعهم في سلام.
- انظري! انظري! أترين الى جانب هاتيك المشانق اشباحاً تتحرك وهي في رقة الهواء يفضضها نور القمر ويبديها للعيان؟ انها ترقص حول عجلة التعذيب. إيه ايها الانجاس المناكيد! تعالوا اتبعوني ولترقصوا في حفلة عرسي.. اننا ذاهبون الى وليمة العرس الزاهرة
فاندفع الرهط كله وراءهم، وتدافعه مثل خشخشة الريح في الورق الجاف، وانطلق الجواد ينهب الارض نهباً.. والجواد والفارس تكاد تنقطع انفاسهما، والحصى يقدح الشرر تحتها
واها! ما اسرع تطاير كل شيء، كل ما يجله ضوء القمر من حولهم!.. ما اسرع انسياب الدباء والنجوم من فوق رؤوسهم!
- أخائفة انت يا حبيبتي؟ القمر مشرق وضاح.. مرحى! كذا تكون سرعة الاشباح...
- آه يا ربي! ما لك والموتى، دعهم في سلام.
- تجلد يا جوادي الاسحم! كأني
التتمة في الصفحة ٤١
