اهلت شمس نيسان تحمل الدفء والنور فتحركت الثلوج في مواكبها مودعة، وتململت الجذور المستلقية في جوف الارض تحلم ثم تمطت وتثاءبت ونشطت لتقدم للدنيا من الازاهير اينعها ومن الاثمار اطيبها.
واهلت شمس نيسان فاذا بالسماء ترتدي ثيابها الزرقاء، واذا بالبحر زرقة لا حد لها، واذا بها وكأنها يهدآن الدنيا بعد ثورة دامت اشهراً فيصفوان.
واهلت شمس نيسان فعزفت الدنيا موسيقاها الناعمة بعد صخب، فالنسيم يهمس همسات الحنان، والطير في فرحة الدفء والعافية تغني.
... وللقلوب ربيعها لا يوم تتفتح ازاهيرها فتتمتع بلذات الشباب متعها العابرة، ولكن ربيع القلوب يوم يمسها الحب الحقيقي فيحولها الى نبع من الطهر فياض، يوم تسمو وتسمو الى حد تستطيع معه ان تردد مع الشاعر الفيلسوف «لا ابتغي من الحب جزاءً غير السعادة بانني احب» ويوم تكبر وتكبر فتتسع لحب القريب والبعيد وتضفي من حنانها على الصديق وغير الصديق فتستطيع ان تهتف مع الناصري: «تحب قريبك كنفسك»
وان للصداقة ربيعها لا يوم تبنى على اسس عابرة ولا يوم تخلقها منفعة شخصية ومصلحة متبادلة، ولكن يوم تبنى على تفاهم روحي، على حب لا يعرف الاثرة، وانجذاب لا اثر فيه للتصنع، ويوم تبنى وئيداً وئيداً، يوضع فيها الحجر على الحجر بتؤدة حتى اذا ما تشامخ البنيان كان شعار الصداقة عطاءً.
وان للاماني ربيعها لا يوم يُحلم بها ويحلم ثم تظل مجرد احلام تقصر الهمم عن تحقيقها، ولكن ربيعها يوم تتوثب في الصدور طماحة ملحاحة لا ترتضي ان يحذف من كتابها كلمة بل من حروفها حرفاً... ويوم يشب الشباب، شباب الارواح لا شباب الاعوام..
الربيع في شبابه لا يلتفت الى الامس بركوده وثلوجه بل يحدق بالغد ويعمل له ابداً.
وان للمال ربيعه لا يوم يتكدس ويتكدس.... ولكن ربيعه يوم يجمع القرش الحلال الى القرش الحلال لتشترى به المتعة الحلال... يوم يصل الهمس الى الاعماق فاذا بالخزائن تفتح واذا بملاجئ الايتام تبنى ودور المرضى والعجزة تؤسس، يوم يفتح الفرد يده فيسعد الفرد ويسعد ثم يقف ينظر الى نتائج عمله وعلى شفتيه بسمة الرضى، يوم يتحول الدرهم الى ازاهير تعطر المجتمع واثمار تغذيه، فاذا بالربيع يتجلى بأكمل معانيه.
وان للجمال ربيعه لا يوم يتوج الشباب بجمال المظهر وانسجامه ثم يهمل الداخل فاذا بالفتنة عابرة وبالسحر زائل، ولكن ربيع الجمال يوم يجمل الداخل فيعكس على الخارج فاذا بالجمال الروحاني فتنة دائمة وسحره لا تقوى على طمسه الايام.
اجل ان للربيع جماله وروعتـه ولكن اكمل شيء في الحياة ربيعه؛ فهلا حرصنا على ان يكون ربيع قلوبنا دافئاً حنوناً، وربيع شبابنا نظيفاً نقياً، وربيع امانينا محققاً كاملاً وربيع اموالنا خيّراً نافعاً، وربيع جمالنا روحانياً دائماً.
هلا حرصنا على ان ننقي ربيعنا من اشواكه؟...


