

عندما يقبل الربيع في كل عام، تحف به مواكب الحياة، وتتراقص على حواشيه الامنيات المخمورة، ينفخ اسراره في مهابط الاودية، وفي اعالي القمم والهضاب، تبتسم الحياة للحياة، وتضحك الطبيعة في نشوة عربيدة، مرحبة برسول الشباب، وقد خلعت عنها العذار فبان من اسرارها ما خفي، وكأنما هي تحيا للساعة، فما تبالي بفضول العيون... وتفتحت احدى البراعم عن وريقات حمر لا تزال مخضلة بانفاس الصباح فاخذت تنضو عنها قطرات الطل لتدع لاشعة الشمس المذهبة سبيلاً لاعماقها، ولتتمتع بدفء النور، بعد ان شبعت من امات الندى، ودغدغات النسيم.
وكم لذ لي ان ارقبها بين مضاجع الورد، ومحافل الطير، وتمثلت لي دنيا الربيع، بما فيها من مرح وزهو وسحر جارف، فغرقت في بحار من اللذة الحالمة.
وعدت أتأمل الوردة فراعني منها لونها الثاني، ونظراتها الساخرة بالحياة، التي تتمثل في رأسها الشامخ شموخ المتعالي، وفي شوك مرهف يحسب له الطامعون الف حساب..
وسمعت بلبلاً يغرد.
ما اسعدك يا وردتي، تفتحين العيون على خرير الساقية، وتمتصين

رحيق الندى شراباً، وتستحمين في فيض الاشعة المنصبة، ثم تروحين تغازلين الفراشات الملونة، وهن يقبلن كل زهرة ويلثمن كل برعمة، حتى اذا ما لمت الغزالة خيوطها، ومضى النهار يتعثر في أذياله اسلمت عينيك لسلطان الظلام واخذت تحلمين او تجترين احلام اليقظة... واستمر البلبل في تغريده. تسمع نبضات قلبه في الحانه، ينثر اغانيه هنا وهناك... حتى اذا حط على الوردة الحمراء، تعالت منه الالحان متدافعة، يمازجها شجى وحنين وكأنما قفز منه القلب الى اللهاة.
وما زال صوت الصادح في ارتفاع وخفض، حتى ملكت روعته قلب
الوردة الفاتنة فاهتزت خيلاءً وكبراً، او لم يخصها الصادح بالنجوى دون اترابها، ساكباً روحه على محرابها قرباناً؟
ما أشد غرورك يا زهرتي، وما اسرع ما تتلاشى رنة الاغنيات الحسبين الحياة ربيعاً دائماً وشباباً متجدداً؟ لا لا، فاصابع الفناء الباردة بالمرصاد، تضغط فلا تبقي ولا تذر...
هذه هي الحياة يا وردتي، تبدأ ببسمة على شفاه الطبيعة، اما النهاية فدمعة حرى على خدها!
انتِ تبعثركن الرياح، ونحن تبعثرنا المنايا... ولكنه موت على كل حال! فاستمتعي يا وردتي بالحياة، ولكن اتعظي بالمصير، فغداً عندما يحل الصيف، ويقبل الشتاء في هدير يصم سكون الخريف، وتنزوي الطبيعة تحت غلائل الصقيع البيضاء، تأخذ الارض في امتصاص عناصرك لتجلوها في الربيع الثاني وردة ربما يكون حظها من السحر والجاذبية اوفر من حظك.
ومن يدري؟ فقد تمتد اليك الآن يد عابثة فتقتطفك لترشقك في عروة سترة، او لتزين بك صدر عروس، او لتتركك على قبر عزيز راحل.
قلت هذا ونظرت الى الوردة اتزود منها بنظرة طويلة، فشاهدت قطرات الطل تتجمع على وريقاتها الحمر وتتناثر دموعاً... على اديم الارض.