كان بستان اللعب يموج بالطالبات ، قد انتثرن في جوانبه الواسعة المعشبة كزهرات متحركة ، بينما كانت ازهار الارض النابتة عبثاً تشرئب نحوهن باعناق متطاولة ، وكأنها ترنو غيارى الى الاغصان المائلة بحنو ، حتى تلامس شعورهن وتحرك حولها اطارات مستطيلة خضراء .
قلت لرفيقي : هنا مسرح الفتوة ، انا لا استطيع ان اتصور الاطفال والفتيات في غير مكان كثير العشب وافر الظلال والازهار . ضع الفتاة في اية روضة او بستان فاذا هي جزء منه لا يتجزأ وكأنها فرع من ذاك الاصل تحيا بحياته وتنمو بنموه . احبسها في غرفة تسد عنها منافذ النور والهواء وتقصيها عن الزهر والشجر فانها تذوي كالزهرة السجينة . مثل هذه الرياض خلقت للفتيات . لنضع كلاً في المكان الذي يليق به .
قال : ما اقساك على من عشت بهم ايدي السنين . انظري الى هؤلاء الفتيات . ألا تجدين بينهن من تلوح عليها علامات الكبر وبوادر الهرم رغم صغر سنها ؟
انعمت النظر في الفتيات المتحلقات حول الاشجار او المتخاصرات يذرعن ارض البستان طولاً وعرضاً او الجالسات على بعض الحجارة يتحدثن باصوات تتعالى حيناً وتنخفض حيناً آخر . كانت نظرتي سطحية فاذا هي الان دقيقة فاحصة . وقال رفيقي : انظري الى هذه الفتاة الكستنائية الشعر وراقبي مشيتها المتثاقلة وشكلها الغريب . لقد اتسع خصرها وضاق صدرها وتقوست كتفاها ، لقد بدأ فيها الهرم وهي لم تتخط السادسة عشرة .
تأملت الفتاة حائرة . أليس مؤسفاً ان تنمو هذا النمو الشاذ وما السبب ؟ أضعف في الوراثة ، ام تربية غير صحية ... لعل هذه الفتاة عاشت في طفولتها سجينة بعيدة عن النور والهواء . او نشأت في جو ضغط وكآبة فهي نتيجة هذا الجو الكئيب .
ولفت رفيقي نظري الى فتاة اخرى قد ترهل جسمها فهي بطيئة الحركة ثقيلة الخطى . هنا نتيجة تربية غير رياضية في الطفولة ، هيهات ان تصلحها الرياضة فيما بعد .
ولاح لي سرب من الفتيات قد تجمّعن قرب حوض الماء
يستمتعن بالحديث قريرات العيون وعلى وجوههن ابتسامات هادئة . ولكن - قلت لرفيقي - هنالك ما انكره في هذه الوجوه رغم نضارتها . لِمَ هذه العيون الذابلة ، وعهدي بالفتوة براقة العيون ! كل شيء يغري هؤلاء الفتيات بالمرح : العمر والربيع والزهر والماء ولكن رغم هذا كله ارى في مظهرهن انكماشاً وفتوراً . اهو كابوس الاجيال الماضية لا يزال يشد عليهن الخناق ؟
ومرت الصغيرات عاريات الاذرع قصيرات الاثواب يطفرن مزقزقات كأطيار الحقل . اي فرق بين هؤلاء واولئك . وصاح رفيقي : ترى الى اي سن تحتفظ هؤلاء بمرحهن قبل ان تغشاهن سحابة الفتور والملل . أليس هذا ناشئاً عما يثقلون به كاهل الفتاة من تقاليد مضنية اذا ما قاربت سن البلوغ ؟ انظري الى هذه الفتاة السمراء الخافضة الرأس . انها كبرى اربع بنات وكأني بها تحمل في وجهها آثار الهم الذي تلمحه في والديها .
ولكن - قلت معترضة - ما رايك في الخفة والمرح المفرط عند بعضهن ؟ هذه الضحكات العصبية الهوجاء . وتلك الرغبة الملحة في الطرب والهوس والانفلات ؟ فاجاب : هي كما قلت حالات عصبية ينشئها ضغط البيئة من جهة وضعف الانضباط الذاتي من جهة اخرى . إنها أويقات المرح الوقتية يختلسنها اختلاساً فيسرفن فيها اسرافاً لكن في اعماق نفوسهن قلقاً واضطراباً ترتسم ظلاله على وجوههن في اوقات السكون .
وذكرت هنا حديثاً لرئيسة المدرسة بعد عودتها من اوروبا . قالت : أريت صور البنات لزميلات لهن هناك فسألن جميعاً بصوت واحد : لماذا نرى في وجوههن علامات الجد والعبوس كأنهن نساء في منتصف العمر ؟ » وعاد الى ذاكرتي سؤال ألقته علي مرة سيدة اميركية : « لماذا تتصف عيون الشرقيات بالكآبة والاحلام ؟ » فاجبتها حينئذ من غير تفكير : « لاننا نحلم بالماضي . »
لكن محدثي قد انقطع عن الاصغاء لانه كان ينظر باعجاب الى فتاة مفتولة العضلات مشرقة الوجه مرتفعة الراس والكتفين رشيقة الخطى . وقال مبتهجاً : هنا المستقبل . متى يأتي يوم تصبح فيه جميع فتياتنا مثل هذه ؟

