رغبت اليّ « صوت المرأة » بان احدها حديث الربيع الممتع . فقلت في نفسي : أيطلب حديث « في الربيع » من واحد نكاد صراصير الصيف ان تصم آذانه ؟ وخشيت ان يصح فينا قول جبران :
ولكنني عدت فتذكرت مقطوعة شعرية كنا ننشدها صغاراً قائلين :
وقلت لعلي أولى اصدقاء « صوت المرأة » بهذا الحديث . وما همني كثيراً ان يصح فينا قول جبران . بل رأيتني اتمتم على غير ما انتباه مني ابياتاً لابي ماضي :
وكيف كان الحال فسأصفق مع المصفقين وانشد مع المنشدين وسيان عندي كنت في الثلاثين او في الستين ! وسأصغي ابداً الى اغاني الربيع ما نبض في صدري قلب . وتحرك في فمي لسان . والشاعر لا يسعه الا ان يتحدث في الربيع واطياره . وجداوله واخضاره . وعشياته واسحاره . وانواره ونوّاره . ذلك لان الربيع قصيدة رب العالمين . التي صاغها من الاوراد والياسمين . والنرجس والنسرين . ولذا آثر الشعراء الربيع على غيره من الفصول فقال الصنوبري بلسانهم :
وقال احدهم :
وقال المتنبي :
وانني لأشارك بشاره الخوري في تعجبه ودهشته من الحسناء التي تنفر من الشاعر الملهم فلا تجود عليه بشيء من سحرها وعطرها وهي لو عقلت لاستوهبتها الشعر واغرتها الغناء . لان في الشعر خلوداً لها وبقاءً لجمالها :
ان الشاعر الشاعر لم ينشد الربيع اشعاره الا ليصوغها عقوداً لجيد الرياض والحقول . عقوداً سحرية كل حبة فيها ينشق عنها ربيع . وتطل منها دنيا . ويشرق حب . ويخفق جناح . واذ ذاك تنطلق الالسنة من عقالها . فيفك الله من عقدها . لتحدث بنعم الله . واذ ذاك تسكت العاصفة . ويصحو وجه السماء . وتطل النجوم من كناسها . وينصت الليل . وتنطلق حناجر المحبين بالغناء . وتقابل الاوراد على ايقاع الجداول والغدران . وتتأرجح الطيور في الاغصان مغنية شادية . وما اروع انتفاضة الربيع في تصوير صلاح الأسير :


