كانت يومئذ دون العشرين، وقد شاءت ارادة امها ان تزوجها من رجل ادرك الكهولة. ولكان الحدث - يومئذ - يبدو لي عادياً، والناس في بلدي يهدفون أن يزوجون بناتهم الى تأمين مستقبلهن المادي... ولكن ذلك الكهل لم يكن من اهل الجاه العريض، فلم يفلح في الحياة ولم يتمكن ان يكون ولو تجاراً مرموقاً في القرية، وكان فوق كهولته سناً كهل الروح، ويا لشدّة التناقض الفاضح بين عقل ذلك الرجل الذي كان يبدو مشدوداً بسلاسل قوية الى جزع سنديانة قوية، وبين تلك العروس الطفلة الممتلئة نشاطاً وحياةً وطموحاً، والمنفتحة العقل على آفاق جديدة بعيدة!.
وكان في البيت حماة، محدودة البصيرة طيبة القلب، انقلب فرحها بعد زواج ابنها الى غم مستديم وهم مقيم. فالعروس خيبت آمالها يوم لم تضع في حضنها بعد تسعة شهور من دخولها ذلك البيت طفلاً عاشت العمر في انتظاره.
اما جريمة العروس فكانت في نظر هذه العجوز الساذجة أنها لا تهدأ، كي يستقر ولد في بطنها...
وفعلاً لم تكن لتهدأ بل كانت دواماً في تحرق دائم وحركة ما تنتهي.
ذلك أنها ابنة وجيه في القرية وازواج اخواتها في يسر فكانت تأنف من الذهاب الى العين - ايام الحاجة الى الماء الكثير - فتنتظر الى ما بعد الساعة العاشرة وتظل حتى الفجر تأخذ الجرار فارغة وتعود بها ملآنة. وكانت تأبى على العجوز ان تساعدها فاذا ما حملت جرتها وقصدت اللحاق بها دفعتها بنزق وقالت:
- اذهبي الى فراشك. اتريدين ان يراك الناطور فيقول عني اني اشغل حماتي بعد نصف الليل؟
اما ذلك البيت فلم أر في حياتي بيتاً انظف منه. كانت تمسح بلاطه كل يوم بالماء وبالصابون وتعود بعد ان ينشف فتلمعه بفوطة ناشفة. وكنت ايام الغسيل اذا ما نهضت من النوم عند الفجر على صوت تفريغ الماء وطقطقة الحطب في الموقد، استمتع بذلك المنظر الشهي، منظرها قرب الطبق تفرك الملاآت فتخالها تتفكك تحت يديها وقد رفعت اكمامها الى ما فوق زنديها وانكشف ثوبها عن عنق وصدر مليئين بالفتوة الساحرة! واذا ما نهضت بعد شروق الشمس فهناك الحبال المليئة بالاثواب النظيفة البيضاء كازاهير الياسمين.
هذا وحماتها تنظر اليها شزراً
٢٤
وتنتحي الزوايا لائحة ساخطة وقد تدخل بيتي لتفضي اليّ بهمّها قائلة بصوت منخفض:
- بحياة ابنتك انصحيها حتى تهدأ.
ولم تهدأ «صاحبتي» ولكنها على الرغم من السهر والعمل المتواصلين رزقت اولاداً فازدادت بهم هماً وانهاكاً وسهراً ونقمة على ايامها... ازدادت شعوراً أن الفقر مذل، وان لا كرامة لهذا الكائن الا اذا كان رزقه موفوراً وبيته ملآن واولاده راقين متعلمين «مثل اولاد الناس».
وما برحت ثائرة على زوجها القانع من دنياه بسبعين غرشاً لبنانياً يربحها من عمله في النهار، حتى فرضت ارادتها فباعت اساورها الذهبية واثاث بيتها وقرطها الماسي وحملت زوجها واولادها الى البرازيل... الى البر!.
وسمعت بوصولي يوم ذهبت سنة ١٩٣٩ الى بلدة تقرب من حدود ولاية ميناس، فاتت زائرة لاهفة ودعتني الى المدينة حيث تقيم.
لما ذهبت اليها رايتها في بيت جميل بنته غرفة بعد غرفة، فيه المياه الجارية الساخنة كل ساعات النهار، والى جانبه دكان تعمل فيه مع زوجها من الفجر الى الليل ولا تخرج منه الا الى حيث تطهي الطعام او تغسل الثياب. اما اولادها فكبيرهم في مدرسة عالية في العاصمة والباقون في المدارس الثانوية والابتدائية. ونادتهم فجاؤوا، وقالت مشيرة الى الكبار:
- هؤلاء جاؤوا معي اما هذا الخامس فقد ولد هنا في البرازيل.
ثم حدثتني عن حكايتها - ولكل مغترب حكاية - قالت: وصلنا بالهم والبؤس وزوجي ما يبرح ياومني عند كل

