منذ فجر البشرية ، والمرأة ، كلما حملت ، بذات الجهود الفكرية ، باحثة بقلق عن جنس الجنين الذي تحمله بين ضلوعها . هل هو ذكر ام انثى ؟ وعجز العلم فيما مضى عن استطلاع هذا السر الغامض ، رغم ما دار حوله من النظريات والتكهنات .
ولعب الفلكيون والسحرة ورجال الدين دوراً كبيراً في كشف النقاب عن هذا السر وزعموا انهم استطاعوا هتكه . وفاخروا بان الحوادث التي اصابوا في معرفتها لم تنقص عن معدل خمسين في المائة ، وفاتهم انها مصادفات ليس غير .
وراحت بعض الشعوب الى ابعد من هذا فزعمت ان الجنين الذكر اقوى عصباً من الانثى ولذا فهو اكثر حركة ، وان مركز الانثى في رحم الام يكون اعلى من مركز الذكر ، وان الذكر يسبب تضخماً في الثدي الايمن ! والانثى تسبب ألماً في الناحية اليسرى من البطن ! اما الاطباء الحديثون فهم يعالجون هذه العقائد بالهزء والسخرية ويحسبونها خرافات لا تمت الى العلم بصلة ولذا فهي من اساسها باطلة لا يُعتمد عليها . ويرون ان الطريقة الوحيدة المعترف بها حتى الآن يمكن الوثوق منها فقط قبيل ولادة الام ببضع دقائق .
اما اليوم فان المعجزة قد وقعت واستطاع رجال العلم التثبت من نوع الجنين ، بعد اجراء عملية صغيرة . واصابوا في معرفة ذلك بمعدل ٧٠-٩٠ في المئة . وبنوا تجربتهم على مستندات علمية محضة . وان صدق الظن فسيصبح بمقدور كل امرأة حامل ، ان تمر بمستشفى للولادة ، تعطي نموذجاً قليلاً من دمها على ان تعود الى المستشفى بعد بضعة ايام لتحظى بالجواب على السؤال الذي كثيراً ما ارقها واقض مضجعها : «هل صبي ام بنت ؟» .
وهذه المرة الاولى التي يدلي بها رجال العلم عن نتائج هامة في صدد هذا البحث وللمرة الاولى تُعلن هذه النتائج على صفحات المجلات العالمية .
اول ما يتبادر الى ذهننا هو هذا السؤال : « هل معرفة جنس الجنين امرٌ مرغوب فيه ام لا ؟» هذا موضوع يلقى اليوم على بساط البحث والمنتظر ان يكون هذا الحدث سبباً لمشاكل نفسانية لم يكن لها من اثر فيما مضى .
لنفرض ان امرأة حاملاً ، علمت ان جنينها انثى ولها من الاولاد اربع بنات ، فاذا يكون شعورها نحو هذا الجنين الذي لا تريده ؟ انها اليوم لا يمكن ان تتأكد من جنس الجنين حتى ساعة الولادة ، عندما ينحدر الطفل الى الوجود ، الذي لا يعرف فيه سوى امه ، فيستقر في حضنها ، مستسلماً بكليته وعندئذٍ تحدث المعجزة ، وتلعب عاطفة الامومة دورها ، وتضم الام طفلها الى قلبها الواهي - فهو عزيز عليها وان كان من الجنس غير المرغوب به !
لكن اذا قُدر لهذه الام ، ان تعلم بعد مضي اربعة اشهر من حملها ، ان جنينها هو بنت ، فان عاطفة من الحقد والكراهية تتولد في صدرها نحو هذا الجنين البريء ، ولا تتورع من عمل تصميم فعّال ، في سبيل التخلص منه ، وفي هذا العمل ما فيه من تأثير سيء على نفسية الام والعائلة على السواء .
ان الابحاث الاولى في هذا الحقل كانت على ايدي الاختصاصيين الروس وذلك سنة ١٩٤٢ . وتوصل الروس بنتيجة هذه الابحاث الى معلومات اولية ، وان هذه المعلومات ، رغم ضآلتها ، انارت الطريق لاكتشاف علمي خطير . وشاءت الحرب الاخيرة ان تكف ايدي الاختصاصيين عن متابعة البحث ، محوّلة جهودهم الى الانتاج الحربي - واسدل الستار على هذا الموضوع وهو لا يزال في مهده ، ولكن قدر له ان يحيا من جديد ، فتنبه له اطباء اميركيون من الكلية الطبية في مقاطعة جورجيا ، اسنة خلت ، واستأنفوا ابحاثهم هذه باذلين تجاهها همتهم ونشاطهم ... وها هم بعد مضي سنة ونيف ، على تنقيبهم المستمر ، يعلنون للمرة الاولى نبأ فوزهم

