في هذا الميدان . وان فوزهم هذا مبني على اسس علمية ثابتة .
ولبحثنا هذا علاقة ماسة بالغدة النخامية التي ربما تكون اهم الغدد في جسم الانسان فهي تتدلى كحبة الكرز من وسط اسفل المخ . وعلاوة عن حكمها المطلق على النمو الجسماني ، فان لها سلطة على افرازات بعض الغدد ، وخاصة الغدد الجنسية . فبعد الشهر الرابع من الحمل ، يتكاثر افراز هورمونات الغدة النخامية في دم الام وتكون هذه الهورمونات على نوعين : نوع ذكر يتكاثر مع الجنين الذكر وآخر انثى ، يطغى مع الجنين الانثى ، فعندما يفحص دم الحامل ، يظهر نوع الهورمون المتكاثر فيعرف ان كان الجنين ذكراً ام انثى !
ويعتقد الاخصائيون الاميركيون ، ان هذه النتيجة التي توصلوا اليها حاسمة ، لكن تطبيقها لم يتعد بعد الجرذان والارانب ويؤمل ان يبدأ تطبيق هذه التجارب على الجنس البشري قريباً .
ولا بد لنا ، ونحن في هذه المرحلة من البحث ، ان نطرق موضوعاً طالما شغل البشر فوقفوا حياله حيارى ، عاجزين !
« هل ممكن ان يكون للوالدين خيار في انتقاء اولادهم من الجنس الذي يرغبون فيه ؟ » . وهذا هو الموضوع الثاني الذي سيفتح البحث فيه بعد الانتهاء من الموضوع الاول ، ولكن الامر المفروغ منه والذي ثبت علمياً هو ان تكوين الذكر او الانثى في رحم الام يتوقف على هورمونات الرجل - فهو وحده المسؤول عن رزقته من اولاده - مهما كان جنسهم ، فليكف الناس عن ملامة المرأة في كل ما هو غير محبذ - لان هورمونات المرأة لا تؤثر مطلقاً في تقرير جنس الجنين .
لقيني صديق مرة في ليلة من ليالي كانون ولم يكن علي معطف فقال : « اين معطفك ؟ »
قلت : « لا حاجة لي بالمعطف فالطقس دافئ ولا اشعر بأي شيء من البرد » . فقال : « ولكننا في كانون » .
*
تذكرت هذه الحادثة يوم طلب مني مقال في « الربيع » لمناسبة شهر نيسان . واعجبني هذا الايمان عند السواد الاعظم من الناس بما تدل عليه التقاويم السنوية ، ففي فصل الشتاء يجب ان نبرد ولو كان الطقس دافئاً وفي فصل الصيف يجب ان « نشوب » ولو هب كل ما في الشمال من سموم وفي الربيع يجب ان نطرب لانه فصل المرح والزهو .
وأروح في حيرة من امري ماذا اقول في الربيع .
واول ما خطر لي ان الناس يقرنونه بالشباب وها انا لا اعرف في الشباب شيئاً من المرح الذي ينسبه الناس لنيسان ولا تعرفت الى فصل ضاحك في حياتي ، فما معنى هذه الكلمة يا ترى . وودت لو اسأل مقالا في الشتاء فاتحدث عن عواصفه وبرده وقلق لياليه او مقالا في الخريف فاتحدث عن الاحلام الذابلة المتساقطة هنا وهناك : ولكن المقال في « الربيع » والربيع حقبة من الزمن تعينها التقاويم السنوية وتفرضها علينا فصلاً ضاحكاً
وأقع اخيراً ، في كتاب ادب المكاتب لابن قتيبة ، على تحديد الربيع اذ يقول ان العامة تستعمل كلمة الربيع للفصل الذي يتبع الشتاء وهذا خطأ . فقد كان العرب يسمون ربيعا الفصل الذي يلي الصيف او الفصل الذي يلي الخريف او الفصل الذي يلي الشتاء . (انتهى كلام ابن قتيبة) اي ان العرب لم يحددوا الربيع بحقبة من الزمن وانما جعلوا منه فصلاً ضائعاً يركزه الانسان حيث اراد .
فالربيع ليلة مقمرة صاحية في كانون يجدها من هنا عاصفة لا تعرف هوادة ومن هنا سحائب تسكب على الارض ما تسكب من غضب السماء .
والربيع نسم بارد في عشية من ايام تموز المحرقة .
الربيع حالة من حالات النفس البشرية تجيء على غير موعد وتزول على غير موعد . واكثر ما تكون مرحة في النفوس المضطربة التي تعرف كيف تعيش العاصفة في شتائها وتعرف كيف تحس ألم الموت في عشايا الخريف . فلا نيسان يحمل لنا ربيعا ولا شوقنا لنيسان . وانما يجيء هذا الربيع ضاحكاً على اجنحة العاصفة التي تفاق او ابتدأنا بها في الشتاء .