من حسن الحظ ان المرأة اللبنانية المثقفة اخذت تشعر بالمسؤولية المتطلبة منها امام الاجيال الحاضرة والقادمة ، فهي تعمل الان بقدر امكانها بل وفوق طاقتها لتسعد ابناء بلادها وتساهم في رقي وطنها واعلاء شأنه .
اول شيء وضعته بعض سيدات لبنان الفاضلات نصب اعينهن هو انقاذ الاطفال الابرياء من براثن المرض والعمل المضني ، هؤلاء الاطفال الذين لا يكادون يجاوزون السابعة او الثامنة من العمر حتى يقذف بهم ذووهم الى ميدان العمل الشاق بدلاً من ارسالهم الى المعاهد العلمية ، فلا ترى سوى اطفال حفاة الاقدام مزقي الثياب يصمّون اذانك ويصدعون راسك بصراخ مزعج كيفما سرت الى ساعة متأخرة من الليل . هذا عدا الذل وسوء المعاملة والاحتقار فينشأون ضعفاء حقيرين .
هذه هي فلذات اكبادنا تذوي وتذوب قبل ان تشرق . هذا هو جيل المستقبل . هذه هي البذرة الصالحة .
ثم لماذا يعمل الطفل ولا يعمل الوالد ؟ ذلك لان ارباب الاعمال يريدون اولاداً لا رجالاً ، اولاداً يبخسونهم حقهم ويرضونهم بالقليل ، لا رجالاً يطالبون بالحقوق ولا يقنعون الا بالكثير .
ان السبب الاول لهذه النكبة هم اصحاب الاعمال المثقفون ثقافةً عالية ، الحائزون على ضمير قلّ مثيله بين الناس ! ان هذا السعي المستمر في إثر المال والجاه قد شغل ارباب الاعمال عن المقاصد النبيلة ، فيجب ان ينزعوا هذه الغشاوة ولو قليلاً عن بصائرهم ليساهموا في اعلاء شأن بلادهم ، فالمال اذا صُرف في سُبُله اللائقة كان قوة هائلة .
لا يمكننا القاء التبعة على الاباء والامهات وهم اميون يعيشون في قذارة دائمة وفقر مُدقع ، ولا من ينتشلهم من هوّتهم الذي رماهم طالعهم السيء في وسطها .
ان جمعياتنا الخيرية قد شرعت بانشاء فرع خاص لاعطاء دروس صحية للامهات ، فان جهلهن لكل شيء يتعلق بالشؤون الصحية هو السبب الجوهري في اهمال اطفالهن اهمالاً يودي بهم ، واذا ما انتشر الداء في ربوع بلادنا ، فاول من يفتك بهم هم هؤلاء المساكين .
لنعد الان الى هؤلاء الاطفال التعساء الذين يملأ صراخهم المحزن الارض ويصعد الى السماء فيملأ فسيح الاجواء .
ان بعض سيداتنا الكريمات يقمن الحفلات في السنة للترفيه عن هؤلاء الاطفال وادخال البهجة والسرور الى قلوبهم الطاهرة كما يقدم البعض الآخر الثياب والمؤن للعائلات البائسة - ان
هذا شيء جميل جداً ، واجمل منه ان يكون في بلادنا سيدات محسنات ، ولكن أهذا هو الدواء الكافي لهذا الداء الوبيل ؟ كلا - انه مجرد مُسكن مخفف . ولكنه ليس بالعلاج الشافي .
ان اول واجب تقضي به الانسانية هو ان لا تترك هؤلاء الاطفال الفقراء ينشأون ويترعرعون جهلاء - ان مدرسة صغيرة تتسع لثلاثين طفلاً لا تكفي - يجب ان نأخذ بايدي هؤلاء المشردين في مجاهل البشرية الذين لا ينالون سوى الذل والهوان كثمرة لاتعابهم المضنية ، والذين يتصرف بهم اسيادهم تصرف الاقوياء الجبابرة .
فلنجتمع ولنؤلف جماعات تنظر في شؤونهم وتأخذ بايديهم - علينا ان نحفظ هؤلاء الاطفال من معاشرة اهل المفاسد ومشاهدة مساوىء اهل البطالة المنتشرين في الطرقات ، المترقبين لكل طفل لايقاعه في شركهم فيصبح شريراً فاسداً .
ان قلب الطفل صحيفة بيضاء يجب ان تتلقاه أيدي المرأة الناعمة فترسم عليه العلم والتهذيب ، لا ايدي السفاكين لتملأه شراً وفساداً .
ان المسؤولية المنوطة باعناقنا ثقيلة جداً ، فاننا بحاجة الى كل طفل وطفلة لنملأ الفراغ المروع الذي جرته وستجره ويلات الحروب الماضية والآتية ، ان نسبة الاجرام تقل بنسبة زيادة عدد المتعلمين ، فلنثقف عقولهم ولنهذب نفوسهم فهؤلاء هم رجال الغد الذين سيرعون حرمة القوانين ويساهمون في صيانة امتهم ، وان هؤلاء الذين يترعرعون في الترف لا يمكن الاعتماد عليهم .
