في طبيعة الشرقي ميل الى التورية وعدم التصريح بحقيقة شعوره . وفي طبيعة الغربي - وخاصة الاميركي - ميل الى الصراحة التامة واظهار مكونات النفس على صورتها الحقيقية . ولا يلمس الفرق الشاسع بين الطبيعتين - الشرقية والغربية - الا ذو لب ، خبير الاثنين .
انا لا انكر ان للوراثة المتأصلة في الاجيال وحالة البيئة الفكرية ، وغيرهما تأثيراً كبيراً على تكوين شخصية البشر وعاداتهم . ولكن العامل الاهم في تأسيس هذه العادة هو التربية - التربية البيئية والتربية المدرسية ، والبرهان على ذلك هو ان المعاهد التي تنجح في تربيتها نهجاً حديثاً يتفق واصول علم النفس ، تُخرج الى العالم شباباً صحيحي النفوس . يفكرون تفكيراً يمتاز بالصراحة والاتزان والتحليل الدقيق . يعرضون مواهبهم وامكانياتهم كما هي . ولهم الجرأة الادبية الكافية لبحث نقاط الضعف فيهم كما يبحثون اي موضوع آخر عن فوزهم وتقدمهم . هم طبيعيون في كل مظهر من مظاهرهم ولا يسعك الا ان تقابلهم بالقدر والاعجاب ، متمنياً في قرارة نفسك لو كانت لك تربيتهم ؛ ولكن أني لك ان تتحرر من بعض القيود التي غلت يديك وطوقت عنك منذ ان كنت طفلاً ؟
ان ذلك يتطلب قوة وعزماً - قوة تتغلب بارادتها القاهرة وتنتصر على
مظاهر الضعف فينا . ولكن الحقيقة المؤسفة هي ان السواد الاعظم منا يميل الى الضعف اكثر من ميله الى القوة ولذا يبقى فريسة امراضه النفسية .
ان المطلع على الحالة الداخلية في مدارسنا ، يلفت نظره في كل يوم كثير من الهفوات التربوية يرتكبها المربون ، إما عن جهل ، او عن حسن نية ، فتأتي نتائجها بكثير من الامراض النفسية التي يقع اطفالنا فريسة لها ويبقى تأثيرها فيهم مدى العمر ، وهاكم بعضاً من امثلة كثيرة انتقيتها من مشاهداتي الشخصية .
في احدى رياض الاطفال في العاصمة ، وقفت مع المربية استمع الى نتيجة اختبارها في تطبيق طريقة حديثة لتدريس اللغة العربية . وما لبثت ان نادت اربعة اطفال بأسمائهم فانتصبوا واقفين ، ملبين الاوامر . فسمّت احدهم وعمره ست سنوات . فتحت له كتاباً ليقرأ فنال اعجابنا جميعاً وانتقلت الى الثاني فالثالث وكانت المقدرة على القراءة تنقص الى ان اشارت الى الرابع وقالت بصوت مسموع : « هذا الطفل اكبر سناً من الباقين ومع ذلك فهو لا يزال متأخراً رغم محاولاتنا والسبب في ذلك يعود الى ضعف في عقله ! »
اختلست نظرة الى الطفل فرأيته قد نكس رأسه وشخص بعينيه الى الارض ، لقد سمع باذنيه رأي معلمته فيه ، ولطالما سمعها تعيد هذه العبارة
عن جمود عقله وتأخره ... اذن فهو احط من رفاقه عقلاً وفهماً فلتبتلعه الارض !
عجبت لهذه المربية ، تحسب نفسها مختصة وتغفل عن اهم القوانين لتربية الاطفال ، كيف تأمل من هذا الطفل ان يتقدم خطوة واحدة وهي لا تنفك تعرضه لمواقف كهذه ، فتحط بذلك من معنوياته ، وتضعف ثقته بنفسه ، فيصبح نجاحه وتقدمه غير مأمول فيه ، ويقع في مرض النقمة الناتجة عن مركب النقص او الشعور بالحقارة ويستولي عليه خمول قد يكون سبباً لفصله ، ليس في مدرسته فحسب ، بل وفي جميع اطوار حياته .
إن اصلاح الموقف في حالة كهذه ، لا يمكن ان يأتي على أتمّه ، ما لم يبتعد عن المحيط الذي شهد فشله وذله وسمع فيه عبارات الحط من قيمته . ومهما اجتهدت المربية في تحسين سلوكها معه . فان حجاباً من الشك البغيض ، يبقى على الدوام حاجزاً الطفل عنها . مانعاً اياه من التمتع بكامل حريته وهو في حضرتها ، ونحن لا نؤمن لهذا الطفل الفلاح في المدرسة ما لم نسع في نقله الى جو آخر يبدأ فيه الطفل في تثبيت شخصيته من جديد . ويرجع معنوياته الضائعة ، وعندئذ قد تبدر منه اعمال يستغربها من عرفه في مدرسته الاولى .
عرفت سلمى من سنين ، فتاة حساسة تتأثر لاتفه العوارض ، وقلما سمعتها تشترك في الحديث مع رفيقاتها معترضة على قرار او رأي . فهي غالباً تتظاهر بالاصغاء ، ولكن من الصعب التأكد ان كانت سلمى تستوعب الحديث الدائر حولها ام لا ، بعكس

