


كان القصر فخوراً بأميرته الحسناء «جنان» معتزاً بجمالها وحسنها. وهي اذا ما رفلت بثيابها الجميلة في ردهات القصر تبعتها العيون مأخوذة بسحرها وبهاء طلعتها.
والاميرة طويلة القامة، هيفاء القد، لها وجه اسمر، وجبهة وضاءة، وعينان سوداوان تزينها اهداب طويلة. ولها على وجنتها اليمنى خال حالك السواد، يكسبها سحراً وجاذبية اذا ما ضحكت او تحدثت. ولكن الاميرة لا تكاد تضحك او تتكلم انما هي في وجوم وصمت لا يعرف احد سببها، وكثيراً ما تترك فراشها في الليل، وتجلس الى نافذتها تتأمل الاشجار وهي تتمايل بوقار في اشعة القمر الفضية.
ووالدها يريد ان يزوجها من الامير «وائل»، وهي قد سمعت الكثير عن شجاعته وحلمه وجوده، ومن المعقول ان تعتبر نفسها سعيدة، اذا طلب الامير وائل يدها، لولا ان سبقه الى قلبها هذا الشاعر الولهان الذي فتن قلبها بشعره، واحاديثه اللبقة، واغانيه الحزينة. اما كيف سمعته للمرة الاولى، فكان ذلك في ليلة مقمرة عندما سمعت لحناً ناعماً وكلمات الاغنية الآتية:
«ما انعس هؤلاء الذين علقت قلوبهم بحب الاميرات.
فأبواب القصور قاسية تتحطم على اعتابها كل كبرياء.
فأطلي عليّ من نافذتك ايتها الاميرة الحسناء لأرى وجهك مرة واحدة.
ويعلم الله انني لا اريد اكثر من هذا الجزاء انا احد الازهار التي تصل اليها يدك الرقيقة والمرآة التي تعكس وجهك الساحر
وفي طفولتي حدثتني العجائز عن الجن التي تحول الانس الى اشياء.
وقد فتشت كثيراً عن مسكن هذه الجن علها ترأف بي، وتجعل مني زهرة او مرآة»
وأطلت الاميرة من نافذتها، فرأت شاباً ممشوق القوام، متمم الوجه، وما ان رآها حتى استولى عليه صمت عميق.
وقالت الاميرة: من هو هذا الذي يتسلل الى قصور الملوك ليزعجها بشعره وعواطفه.
وأجاب الشاب: ما اقسى قلوب الاميرات الحسان.
ويحك كيف تجرؤ على هذا القول، وبإمكاني ان ادعو خدمي ليقطعوك اربا.
حياة تنتهي على يديك أفضل من حياة تستمر بدونك.
ولكن من انت، يا من تريد ان تشغلنا بقتلك.
شاعر رآك فأحبك.
يا لجرأتك، كيف تبيح لنفسك ان تتعلق بمن هم اسمى منك منزلة.
الحب يا سيدتي ينتزع من شفاهنا كل انواع الاعترافات، فهو لا يعرف طبقة ولا طائفة.
اسمع، سأعفو عنك ان اخبرتني من انت؟
شاعر، غريب، رآك، فأحبك.
يا لهذا التضليل، واين مسقط رأسك؟
بلد يعبد فيه الناس الحب، ويستشهدون في سبيله.
لست اعرف مكاناً تقام للحب فيه مراسم العبادة.
احب ان اذكر الاميرة بالصحراء - ان سمحت لي بذلك.
أبدوي اذن انت؟
ولكني درن البدو همة واقداما.
وكيف ذلك؟
لان البدو لا تخيفهم ابواب القصور ولا حرسها. هم يهجمون على الموت ان كان الموت يصلهم بأحلامهم.
ومن قال لك إن مقر ليلاك هنا؟
صوتك الساحر، وطلعتك البهية، وهذا الذي يلتهب في قلبي إذا ما رأيتك او ذكرتك!
أيها الشاب، احترس فأنا اميرة القصر!
حقيقة تمزق فؤادي، فلولا تاجك الثقيل هذا، ولولا الابواب القاسية التي تمنع الحرية عنك لكان الحال مغايراً لما هو عليه الآن.
ولكن، وداعاً ايتها الاميرة، كنوز من الذكرى قد ظفرت بها الليلة، وستكون زادي في سيري الشاق.
انتظر... انتظر. فأنا احب هذا الذي تقوله.
ولكنه قفز من السور. واختفى كحلم جميل.
* * *
وفي الليلة الثانية ساء الاميرة ان تجد نفسها تستمع الى اصوات الحديقة، وهبت من فراشها تنتظر الشاعر المجهول. ومر اسبوع ولم يظهر أثر للشاب الغريب.
وفي مطلع الاسبوع الثاني سمعت الاميرة لحن قيثارة جعلها تتخيل المروج المنبسطة والازهار الملونة، والفضاء الواسع العظيم، ولما اطلت من النافذة سمعت الشاعر يقول:
«لا تطرديني ايتها الاميرة القاسية، لان وجودي لن يؤذيك.
ولكن ان كان يعكر مزاجك، فاصرفيني برفق.
وقولي لي سأذكرك ايها الغريب مرة كل عام.
وسترين عندها كيف تتحرك عظامي داخل القبر.
وتقول لك إن حبي لك هو اقوى من الموت»
واجابت الاميرة: ويحك ايها الشاعر. انت تحزنني بهذا الذي تقوله. فانا لا اتمنى لك الموت بل أكون نعمة جداً ان سببت لك مفارقة الحياة
يا لك من ملاك كريم
والآن ألا تريد ان تخبرني من انت؟
شاعر، غريب، معدم، رآك فأحبك
وهل يكون معدماً من كان له مثل قلبك؟
اصحاب القلوب الكبيرة لهم جيوب رقيقة
القلب الكبير أثمن من جيب سمين
في قولك هذا تعزية
اريد ان اراك من قريب
وكيف السبيل؟
انتظر، سأتسلل برفق الى الحديقة، فانا اخاف ان يروك ان انت صعدت الى هنا.
اي نعمة تريد ان تسبغها الاميرة عليّ، اي يقظة انا ام في منام. ولكن يا مولاي هل لعبد مثلي ان يشترط؟
ماذا تريد؟
ألا تطلبي مني ان ارفع قناع وجهي!
ويحك انت تخيفني بطلبك هذا، فقد تكون لصاً او عدواً. لا، لن انزل. يا لي من متهورة تحاول الدنو من مجهول في الليل البهيم. اذهب ايها الرجل. ولا تعد الى هنا فانا اخشى العاقبة.
يؤسفني ألا تثق الاميرة بي. وداعاً،