
اذكريني مرة كل عام
ايها الشاعر. واذا اردتك ان تعود فكيف السبيل؟
ضعي مصباحك على النافذة عندما تظهر الثريا في السماء.
وفي صباح اليوم التالي قرر البلاط الملكي خطبة الاميرة جنان على الامير وائل. وأوت الاميرة الى خدرها تبكي وتنتحب وقد زهدت بكل شيء، وكانت تتمتم لنفسها: آه ايها الشاعر. انت لم تترك لي قلباً ليحب ويسعد. كل ما أريد. هو صوتك العذب، وشعرك الجميل، وقلبك الكبير.
ولم يكن في يد الاميرة حيلة تلجأ اليها، وهي اعرف الناس بعزم والدها، وتصميمه على رأيه.
ولما ظهرت الثريا في السماء، كان مصباح الاميرة مشعّاً، ورأته وهو يقفز عن السور بقامته الرشيقة.
وقال الشاعر: مصباحك النيّر سيهديني دائماً. قبس مقدس ألجأ اليه كلما وعرت السبيل.
ايها الشاعر. لقد وقعت الكارثة. فلا تنشدني الليلة شيئاً من شعرك.
كلامك ايتها الاميرة يبعث في قلبي حزناً وأسى. ما خطب الاميرة؟
يريدون ان يزوجوني من الامير وائل
وهل كان يأمل الظبي الجميل ان يبقى بعيداً عن عيني الصائد!
ما اروع تشبيهك هذا، فانت اذن تدرك أني ضحية. لاني لست اعرف الا شخصين فتنتها الظباء، الصائد القاسي، والشاعر الرقيق
انت تظلمين الامير وائلاً بقولك هذا
اظلمه، وماذا تعرف عنه؟
لست أعرف شيئاً، ولهذا فليس من العدل ان تصدر بحقه حكماً قاسياً
ولكن ايها الشاعر، دعنا من الحديث عنه، أتعلم على ماذا عزمت الليلة هذه؟
اعتبر نفسي قد ظفرت بشرف كبير ان اخبرتني الاميرة بما عزمت
عزمت ان آتي اليك
او لا تخافين مني؟
لم أعد ابالي بشيء
آمل ان اكون عند حسن ظنك بي
وبعد لحظات وصلت الاميرة الى اسفل الدرج، وتسللت برفق الى الحديقة ثم وقفت فجأة.
ماذا تأمر الاميرة، أأتقدم أم أنسحب؟
تقدم
وعندها تقدم الشاعر فاعطته الاميرة يدها، فتناولها برفق، ورفع قناعه ثم قبلها.
سأذكر دائماً أشعارك الجميلة في سجني الجديد
أشعاري هي وحي منك أرفعها اليك.
يسوءني ان تعتبري الامير وائل سجاناً
كفي دفاعاً عن الامير وائل. الا تريد ان تخبرني عن اسمك
ليس لي اسم ما دمت قد عرفتك. فانا لا احب ان أعرف الا بواسطتك. خادمك، شاعرك، صديقك، او ما شئت من الالقاب
رقتك تخيفني
وكيف ذلك؟
هي رقة الصخر الذي تحوّل الى تمثال جميل قل تمثال حسناء بائسة، او شاب تعس.
حبك هو الذي يصوغ مني كل ما ترين
ايها الشاعر، ان مُلكك هو أوسع وارحب وأجل وأسمى من ملكي، اي آفاق لا يصلها خيالك الجميل، واي كنوز لا يحتضنها قلبك الرقيق. ولكن الا تريد ان تنزع قناعك هذا
لا
ولمَ
عهد اخذته على نفسي، ولست أراني في حل منه لحد الان
ما هذا الذي في اصبعك
خاتم. أعتبر نفسي سعيداً ان كنت تتنازلين وتأخذينه
نعم. واليك منديلي هذا
سأعتبره راية أجاهد في سبيلها حتى النهاية
اعلمت أني سأخبر الامير وائل حقيقة الامر بعد حفلة الزفاف مباشرة. فهم يقولون انه شهم كريم. وقد يرقّ لحالي، ويحل وثاقي. وعندها سآتي اليك وستأخذني الى الصحراء التي كنت تحدثني عنها.
لا ايتها الاميرة فأنا لا أرضى لك فقراً وترحالاً بعد عز القصور
انت جبان اذن
ان شاء لك ان تتمتي مثل هذا فانا راض ما دام هذا يصون سمعة زنبقة طاهرة من ان تلوثها الالسن.
يجب ان اذهب الان. اتمنى لك كل سعادة وهناء. مع الامير وائل، انسيني ايتها الاميرة، ان كانت ذكراي تسبب لك تعاسة والماً، اما ان كانت تثير فيك فرحاً وسروراً فاذكريني عندما تصعد الثريا الى السماء، وعندما تتعطر الحدائق باريج الزهر، وعندما تعزف القياثير الحاناً فيها ذكرى ونداء.
انت تسيء معاملتي. سأضع مصباحي على النافذة بعد حفلة الزفاف. وداعاً.
وداعاً. سأعتبر نفسي جد سعيد، ان تذكريني حتى في حفلة الزفاف.
* * *
وبعد حفلة الزفاف اقترب الامير وائل من الاميرة جنان وقال لها «ارجو ان تكوني سعيدة يا عزيزتي» واغرورقت عيناها بالدموع فما اشد ذكرها لشاعرها اللبق.
ماذا يبكي الاميرة؟
سعادة الاميرة موقوفة على حلم الامير.
اني مستعد أن افدي الاميرة بروحي ان كان ذلك يوفر لها السعادة.
الاميرة تريد ان يطلق سراحها.
وهل الاميرة سجينة لتطلب مثل هذا الطلب. انا اعتبر الاميرة حاكمة بأمرها، أطلق يدها في كل قصوري وحدائقي، وجميع من في القصر، من سيده وصاحبه الى أصغر من فيه هم عبيد وإماء لها.
كل هذا قيود وسلاسل تؤذي الاميرة. أفهم من هذا ان زواج الاميرة جاء قسراً عن ارادتها.
نعم. فوالدها قاس، لا يرثي لحالها، ولن يصفح عنها لو علم ان قلب الاميرة كان مشغولاً بحب شاعر غريب معدم، ولذا فبي تعتمد على حلم الامير، وكرم عنصره، ليطلق سراحها.
واطرق الامير طويلاً وقد شحب وجهه ثم تمتم قائلاً: حلم الامير وكرم عنصره سيجعلان منه عصافة تذريها الريح، ولكن اسمعي ما رأيك في ان اعطيك فرصة ثلاثة ايام تفكرين بها، وسأذهب انا للصيد، وعند عودتي سأنزل على ارادتك اذا كنت ما تزالين زاهدة بي عندئذ، وقد يحدث ما لم يكن في الحسبان فتتغير خطتنا هذه. وداعاً ايتها الاميرة. أتمنى لك وقتاً سعيداً.
ولما جاء الليل، لم تقو الاميرة على انارة مصباحها في النافذة لشدة ارتباكها، فجلست في الظلمة بالقرب من النافذة تستعيد في مخيلتها اقوال الشاعر، وظرفه، ورقته. ولكنها لما اوت الى سريرها اخذت تفكر بالامير وائل، وكيف اسرع الى تلبية طلبها، وهي لا تدري أدافع هذه التلبية زهد بها، ام كرم في أخلاقه. لعلها لم تعجبه، ولعله عرف من هي احسن منها واجمل.
وقضت الاميرة نهار اليوم الثاني محتجبة في غرفتها. ولما جاء الليل جلست قرب النافذة،