أسرة عبقرية
في مساء يوم من عام ١٨٢٠ ، كان سكان قرية « هوارث » - في شمال إنكلترا - ينتظرون وصول القسيس « باتريك برونتي » راعي الكنيسة الجديد مع أسرته . وفي ذلك المنزل المتواضع الجاثم بين سحب كثيفة من الضباب ، والمقبرة تحيط به من الأمام والخلف والمستنقعات من كل ناحية نشأت الفتيات الخمس مع شقيقهن « برانويل » : وحدة وعسر ، صمت وكآبة ، هذا ما كان يرين على « هوارث » .
وأفاقت الفتيات في فجر يوم رهيب على كارثة غمرت تلك القلوب الذكية بالأسى وهزتها حتى الأعماق حين قضت أمهن - بعد عام - ولفها الفناء ...
ويح هذه الطفولة :
أيان تجد الحنان النبيل يلفها كصوب الندى ؟ من يشقى لتسعد ؟ ! من يقبل بالحرمان لترضى ؟ ! من ينشر جناح الرحمة والحماية حول الصغار ، وقد توارى طيف الأم كما تتوارى أطياف النور بعد المغيب ، وهذا الأب الصارم ليس له عطف الآباء ليحف الطفولة بحب غامر لطالما تسامى عند الكثيرين وتدفق حتى ليبلغ قوة الحبين معاً ؟ ..
لقد سلبت تلك القلوب الصغيرة من نور الرفاق وها هي ذي تسلب من نور الأمومة ولكن السماء أضاءتها - وهي رحيمة جوادة - بأقباس من ضياء خالد ، لتتحد بأحزانها ، وأمانيها وأشواقها كنفس واحدة ، لتتفتح تلك
العبقريات - من ثنايا الألم - سنية وضاءة رافعة مشكاتها للأجيال ...
طفولة نعمة
في هذه السن المبكرة اضطلعت الفتيات بأعمال المنزل تعاونهن خادمة مسنّة ولما تتجاوز كبراهن الثامنة . وفي هذا المنزل نلن قسطاً وفيراً من الثقافة العقلية والمنزلية عن أبيهن وخالتهن مس « برانويل » . وإذ الحقن بمدرسة « كان بردج » استيقظت بسوء التغذية والقسوة والفقر - براثن الداء ، السل الوبيل - وقد أتى فيما بعد على جميعهن وقضى على الشقيقتين الكبيرتين (ماريا واليزابيت) فعادت الثلاث الباقيات إلى « هوارث » لتنتسب « شارلوت » بعد حين إلى مدرسة « روز هيد » . وهناك ، سطعت مواهبها الأدبية ! لقد عجبت مس « وولر » مدرستها ، حين كانت ترى التلميذة المقصرة في الحساب والجغرافيا والنحو ، تملأ الصحيفة تلو الأخرى بقصص متناهية في الروعة وهي تتمتم قائلة : « لقد كتبت اثنتين وعشرين قصة في البيت ... »
وأصبحت « شارلوت » ذات يوم ، معلمة في مدرسة مس « وولر » . ولكنها كانت تمقت التدريس وتحس بانعطاف شديد للأدب . فأتجهت ببضع قصائد من نظمها للكاتب « روبرت سوزي » علها تجد لديه تشجيعاً يحقق مطامحها فرد عليها قائلاً : « لا يمكن أن يكون الأدب مهنة للمرأة ، ولا يجب أن يكون » فالتجأت إلى الشاعر الكبير « وردزورث » فلم تسعد بجواب شاف ، فاقتنعت بالعمل
كمربية بيت في أسرة متوسطة الحال ، وكذلك أجبرت شقيقتها « إميلي » - والأسرة في فقر مدقع - أن تسلك هذا السبيل ، لتتخليا عنه بعد حين ، وتعودا - وقد جرح شعورهما الرهيف - إلى « هوارث » وسحب الإخفاق تطبق على قلبيهما الشاعرين ...
كفاح وعذاب
وأحست « شارلوت » - وهي كبرى الشقيقات - بعبء الحياة يهد قواها الواهنة وشاطرتها « إميلي » قسوة العمل والفقر والحرمان جاهدة . ولكن ، أيحل الكفاح كل ما في الحياة من مشاكل ؟ كلا ... إذن ، لتتجها نحو سبيل يؤمن للأسرة سبل العيش ، وها هو ذا أمل يلوح ، فلتذهب إلى بروكسل لتتعلم اللغات ، وكذلك شقيقتها لترسخ قدمها في الآداب والفنون ولتعودا بعدها لفتح مدرسة حديثة في « هوارث » .
وفي معهد « بروكسل » ، أضحى للتلميذة التي في سن السادسة والعشرين منزلة أثيرة لدى أستاذها « سيو هيجر » وأنزلته هي كذلك من نفسها منزلة القداسة ! لقد كشف لها عن عالم زاخر من الفلسفة والعلم والفن ، وأتاح لها الحصول على مقدار كبير من الخبرة الإنسانية ، فمالت إليه وإن كان متزوجاً وله خمسة أطفال وذا صرامة . أو تحول هذه القيود دون تعارف ، نفسين ربطتها وشائج لا تنفصم من وداد الروح ، وأنسجام الفكر ، وتقابل الذوق ؟ ...
عاشت « شارلوت » بقرب أستاذها عامين ، وخضم من العواطف المتضاربة يغرقها آناً بالرضى ، وحيناً بالعذاب .. وطغى عليها العذاب ، حين عادت بعد
