
ان اتمت دراستها - الى هوارث، فأمسكت القلم لتكتب الى استاذها، قالت:
سيدي: «ان المعوزين، لا يطمعون بالكثير ليقوم بأودهم في الحياة، لذلك الفتات الذي يسقط من موائد المنعمين حسبهم... وكذلك انا، احتاج الى القليل من مودة اولئك الذين احبهم» وانهت رسالتها بهذه النفثات: «ان الانسان ليتعذب بصمت طالما ان له طاقة على الاحتمال، ولكن حينما تفارقه هذه الطاقة، يرسل الشكوى طليقة دون قيد...» واذ كانت كتابتها له تنفحها راحة وسلاماً، كتبت له ثانية وثالثة فلم تظفر بجواب! وأخيراً... تلقت منه رسالة موجزة، فردت اليه تقول: «كتابك كان لي غذاء طيلة ستة شهور، وانني الآن بحاجة لآخر! سترسله إليَّ، ليس بدافع المودة إذ انك لا تشعر بهذه العاطفة، ولكن بدافع الرأفة لان لك قلباً رحيماً لن يحكم على انسان بإطالة العذاب حين تستطيع رفعه عنه بمنحه بضع دقائق...» ثم أمسكت عن الكتابة لئلا يحرقها الوجد، لتسكب عذابها في قصة خالدة!
وغرقت شارلوت من جديد باشجانها ومتاعبها. فهذا والدها يكاد يفقد بصره، وذلك الشقيق الاوحد «برانويل» يصرعه الداء والشراب معاً، وتلك إميلي - وكانت تكن لشقيقتها حباً عميقاً - قد افعم الاسى قلبها وأضناه، ولقد نفذ الحزن فيه وتغلغل الى الجوارح ولكن ليستحيل الى سبحات واقباس سماوية خالدة، تترامى اشعتها للزمن، حاملة اسم «مرتفعات وذرنغ»!
كيف كانت اميلي تحدب على «برانويل» وترعاه!؟ كيف كانت تغفر له نزواته وتؤثره خالص الحب من الاساءة والرضى، وقد كان ذا مواهب ادبية وفنية لم يقدر لها ان تتفتح!؟ يتجلى كل ذلك، في قصيدة لها ترثيه:
«أجل، قد يمقتك اقوام ويحتقرك آخرون، وقد ينمحي اسمك الحبيب من ذاكرة البعض، ولكن قلبي الحزين سيظل وفياً لذكرك، سيبكي فيك الآمال الذواهب، والنبوغ المطمور تحت اطباق الثرى...»
وانطوت «إميلي» على احزانها تنظمها في قصائد، لشد ما كان يؤلمها ان يقرأها احد. ولم؟ انها لها فقط. أوليست ذوب ذلك القلب الجريح ومصب اشجانها واشواقها وحبها الخالد كما كانت تقول!؟
كانت تلك القصائد مع تلك البقع النائية والهضاب التي كانت ترتادها، مصدر عزائها الوحيد. اوليست هي الوطن حيث تخفق القلوب وتتلاقى الذكريات!؟ كانت ترى فيها - كما تقول شارلوت - فردوساً سماوياً، لكأنها مع «اليزابيت براوننغ» تناجيها في حنين جارف: «اي هضاب بلادي: أتعرفين ما ألقاه في سبيلك!؟ كيف احترق وافنى فيك اي هضابي الحبيبة!؟ وفي دياجي الليل، أتحسين بما يتأجج في جوانحي اليك من حنين واشواق!؟»
وانقضت اسابيع بعد موت «برانويل» لتتبعه «إميلي» في الطريق المظلم، ولتظهر كوامن الداء بعدها في «آنه» تلك الشقيقة الصغرى التي كانت كذلك، ادبية شاعرة وان لم تبلغ شأو شقيقتها وكل ما كان لها من آثار ادبية هي: قصتها «فلاح ويلدفل هول» وبضع
قصائد في ديوان الشقيقات.
واصطحبتها شارلوت الى شاطئ البحر علها تجد لعلتها شفاء هناك، ولكن عبثاً!... وفي امسية يوم - بعد موت «إميلي» بثلاثين يوماً - وقفت شارلوت على الشاطئ. منكسة الرأس، ترجى في اسى عميق لآخر الشقيقات - وهي مسجاة على فراش الموت - تحية الوداع! وأبت شارلوت الى هوارث، والاحزان تعصف بها، اين منها «اميلي»، تلك الصبية النعمة التي لم تذق طعم السعادة الا في مرتين: يوم نشر ديوانهن الشعري، ويوم ظهر مؤلفها الباقي «مرتفعات وذرنغ»
ولنر الآن: كيف تحولت الشقيقات لكتابة القصص بعد ذلك الاخفاق في نشر ديوانهن، عام ١٨٤٦؟ أوليس من الغريب ان لا ينفد منه سوى نسختين آنئذٍ، ويرتد من ناشر الى آخر وقد عدت اميلي من اعظم شواعر القرن التاسع عشر!؟
لقد جدد الفشل فيهن العزم، واضفى عليهن قوة، فاندفعن بكل ما فيهن من ذكاء ونبوغ لكتابة القصص، واكتسحت ابنة قسيس «يوركشير» شارلوت بمؤلفها «جين إير» - وكانت هي التي زكت في شقيقتها روح المثابرة والعمل - اعجاب القارة الاوروبية جمعاء...
ولقد نشرت بعده قصتين لها، وهما «شيرلن» عام ١٨٤٩ و «فيليت» عام ١٨٥٢ وهما ترجمة حياة شقيقتها وحياتها فالشخصية الاولى في شيرلي هي «إميلي» بينما قصة «فيليت» ترجمة لحياتها في بروكسل...
غير ان شهرتها التي طبقت الآفاق تقوم على قصتها «جين إير» فالفصول