
ان أعجب وابرز صفحة من صفحات تاريخ التمدن البشري الى اربعة قرون خلت، هي قصة تقدم المرأة. واننا الان بعد هذا التقدم نقف متسائلين هل بلغت المرأة اليوم اقصى ما يجب ان تبلغه، فتقف عند هذا الحد قائلة: كلي وتلذذي يا نفس فان لك خيرات كثيرة. وقد فتحت لك ابواب المدارس والكليات فاكببت على الدرس والتحصيل وارتشفت العلوم المتنوعة سنين هذا عددها، واحرزت من الشهادات ما لم تحرزه اخواتك في الاجيال التي سبقتك فماذا تطلبين بعد؟ او لا يتوهم البعض من هؤلاء انهنّ بمجرد اجتيازهن مرحلة التعلم والدرس على مقاعد المدارس قد بلغن الهدف المطلوب الذي ما بعده مطلب اذ يحسبهن العالم متعلمات مثقفات فيقفن عند هذا الحد؟
طرح استاذ في احد كتبه الذي كان يعالج فيه موضوع التربية هذا السؤال: «من هو الانسان المثقف وما هي علاماته الفارقة؟» واجاب عليه بنفسه فقال: ليست علامة المثقف مقدار معلوماته. ولا هي الدرجة العلمية التي منحته اياها الكلية او الجامعة التي خرجته. حتى ولا هي ذلك النور الساطع في عينيه. نور المعرفة والفهم. كلا ليست الثقافة شيئاً من هذه كلها. بل ان الانسان المثقف هو الذي اكتسب «ملكة فكرية». فالذي لا يقرأ الا ما كان سهلاً او ما لا يتعدى المواضيع المألوفة لديه لا يعد
مثقفاً مهما كانت كمية المعلومات التي يحشو بها دماغه. وانما المثقف هو الذي يتابع قراءة الكتب التي تثير فيه التفكير وتزيده علماً على علم ومعرفة على معرفة.
وان وجدنا نظرية هذا الكاتب متطرفة فالفكرة الرئيسية فيها لا يختلف عليها اثنان وهي ان الانسان المتعلم المثقف هو الذي مهما كبر سنّاً يشعر دائماً بالحاجة الى النمو وصعود سلم المعرفة حتى يبلغ الذروة.
والعقل فلا حدّ لنموه. وأفقه يمتد ويتسع ما دام الانسان حياً بقدر ما نفسح له مجالاً للاتساع والنمو.
فمن منا توهمت انها بتوقف نموها الجسدي اضحت في حالة جمود عقلي اقول لها حذار من مصيرك المحتم، فتداركي وخيم العاقبة بمعاشرة ذوي التفكير واصحاب الجرأة العقلية، لعل جرثومة الحياة تنتقل منهم اليك، فتحفظ نفسك من الموت الفكري.
اما من حيث امكانية البالغين للتعلم فمن الحقائق التربوية ان للبالغ امكانيات للتعلم تفوق امكانيات الصغار. وللتحقق من هذه النظرية اجريت التجارب العديدة. منها تجربة اجراها الاستاذ العلامة ثورنديك المربي الكبير في كلية المعلمين في جامعة كولومبيا في نيويورك على فئة من البالغين الثانية والعشرين وفئة اخرى من البالغين الثانية والاربعين. فوجد ان الفرق في سرعة التعلم بين الفئة الاولى والثانية ضئيل جداً ولحقق بعد هذه التجربة ان
ما يتعلمه الصغير في سنتين لا يستغرق البالغ الا اسابيع قلائل في حفظه. افبعد هذا من شك في ان البالغ لا يستطيع ان يتعلم اشياء جديدة فحسب بل يمكنه ذلك بوقت اسرع من الصغير فالى سلة المهملات اذن بالنظرية القائلة ان الكبير لا يستطيع الحفظ والتعلم بسبب توقف نموه العقلي.
وما اقوله في صدد النمو العقلي ينطبق على النمو الروحي. فلا تكتفي ايتها الشابة بمعرفة المبادئ الروحية بل داومي التأمل حتى تكتمل فيك شخصيتك. واعلمي ان عدم نمو هذه الناحية في شخصيتك — اعني الناحية الروحية — يسبب تشويهاً وعدم اتزان واتساق في حياتك. فتصبحين اشبه بجسم قد نما بعض اعضائه وبقي البعض الاخر كاعضاء الطفل. فكم وكم من فتاة لها ادراك البالغين في كل ناحية ما عدا الناحية الروحية.
وان من ابرز مظاهر البلوغ والنمو «مواجهة الحقيقة» من غير تلكؤ او تهرب مهما كانت تلك الحقيقة مرة المذاق. فالتهرب عدو التقدم وهو من طبائع الاطفال وقد قال فيلسوف «لما صرت رجلاً ابطلت ما للطفل» اذن فالبالغ الذي يتجنب ما لا يحبه وما يصعب عليه، او يتمرد ويثور عليه كأنه يعود الى الطفولة التي تتهرب من الصعوبات. فان يستطيع مجابهة المشاكل التي تعترضه في حياته. وقد يتزيا هذا التهرب بزي التمنع او التخوف من تخطي مركز او موقف ما الى سواه يتطلب مسؤولية اثقل وجهوداً اكثر فيكتفي الفرد بما بلغ اليه مقنعاً نفسه بان موقفه الحالي انما هو وفق رغباته