يتوخى كتابنا الاجتماعيون اليوم هدم الدعائم القديمة التي قام عليها مجتمعنا العليل، طوال القرون الماضية، وانشاء مجتمع جديد تتوفر فيه جميع وسائل التضامن الاجتماعي في مختلف ضروبه فقد يكتب البعض عن الحياة العائلية ووجوب تجديدها والآخرون عن واجبات الفرد نحو مجتمعه والآخرون عن مختلف وسائل التضامن بين افراد مجتمعنا اللبناني ولم اسمع احداً قط قد ادخل الموسيقى او بالاحرى الفنون في هذه الحقبة والموسيقى تحتل المكان الاسمى في الفن. ولكل لون من الوان الموسيقى الحية اعني الغربية مهمة في تكوين الحياة الاجتماعية. ومهمتها الشائقة تطبق على كل مجتمع يريد ان ينقذ من سباته العميق ويمشي بخطى واسعة نحو الاطراد والتقدم. وقد ندعم قولنا هذا بالبراهين الحية التي تدفعنا دون شك الى تذوق الموسيقى بلهفة والاعتراف بوجوب فهمها حقاً.
ففي موسيقى «شوبان» ذكرى وفي كل ذكرى عاطفة وفي كل عاطفة حياة. والدوافع الحيوية في نفس كل فرد اجتماعي ضرورية لا بد منها لتأسيسه على مبادئ سامية يشترك الاخلاص والتضحية في تطبيقها قبل ان تدخل المصلحة الشخصية، فالمصلحة وسيلة بينا الاخلاص واجب ضروري على كل شخص يتمتع بحقوقه الاجتماعية ان يتخذه كشعار لثباته. فنحن اذا اصغينا الى بولونيس شوبان انتفضنا حالا من سباتنا الحالي ورحنا نسعى ما وراء مبادئ وطنية صحيحة لنحقق امال شوبان فينا.
فقد اتت الحانه قوية العاطفة شديدة اليأس فهو في تعبيره عن مصير بلاده يعبر عن مصير كل بلاد لفتت بجرائم الجهل والحول. وقد ينقذنا شوبان من كل تطاحن نفساني عنيف كما يوحيه لنا من ثبات الرأي وجموح العاطفة الوطنية.
وفي موسيقى «ويبر» Weber تفكير عميق يرفع بعقولنا الى ما هو اسمى من المشاكل العادية الى درجة سامية من التفكير ذاك الذي يعتنق بآرائه مصير البشرية جمعاء. فنحن بحاجة قصوى الى مفكرين حقيقيين يعرفون طريقة استعمال المادة المسيطرة في جيلنا الحاضر فتكون المادة وسيلة لازدهار المجتمع لا المجتمع عبد المادة. وفي موسيقى «وغنر» حكمة خالدة ولكل بلاد حكماء يسنون لها الشرائع العقائدية والاخلاقية لتسير بموجبها وتكون بأمن من كل ضلال. فمجموعة الحانه آية حكمية تخرج من صميم كيانه تمت الى فهم قيم الاشياء وتطبيقها على مختلف ضروب الحياة. ونحن محتاجون الى مثل هذا التوازن بين المبادئ. وطريقة السير بموجبها كي نضمن نجاح كدنا في الحقل الاجتماعي وفي موسيقى شوبرت حياة كل حب وكل حب ينتمي الى صداقة والصداقة من اهم الدعائم الاجتماعية فهي توطد العلاقات بين افراد المجتمع وتوفر لهم الثقة بالنفس لانها تكتشف قيم النفس.
وفي موسيقى «باخ» سمو ونحن بحاجة قصوى الى هذا العنصر الاساسي في الحياة النفسية كي ينشلنا من لجة الركود هذه التي ما دمنا نتخبط باوحالها حتى لقد فقدنا وعينا الباطن الذي يدفع بنا الى
بروز قيمنا الشخصية إلى حيز الوجود وفي موسيقى «لستر» تضحية وتفان وايحاء والوحي مرحلة اساسية من مراحل نهضتنا الاجتماعية لانه يوقظ الضمائر فتنتفض من رقادها وتلقي عنها غبار اليأس وتمشي بخطى وطيدة وعزم شديد وايمان قديم بوجود قوى دافعة وافية لتثبت خطواتها في الطريق المستقيم.
وفي موسيقى «موزارت» نظام ولكل بناء تصميم يسير بموجبه البناؤون فاذا فقد النظام عمت الفوضى ورجعنا قروناً القهقرى. وفي موسيقى «برهمس» معرفة والمعرفة سبب كل ازدهار كما ان الجهل هو دعامة كل تقهقر والمعرفة توفر من جراء كيانها حقاً عناصر حيوية اخرى في نفس كل فرد منها الثقة بالنفس والثبات في العمل مقروناً بافكار قوية وهي الطريقة الوحيدة التي تحل ازمتنا الاجتماعية الحاضرة لاننا نحن ابناء الشرق نشعر اكثر ما نفكر وبما انه صعب ان يحال الشعور الى عمل، فاذا نبقى على ما نحن عليه من كلام مقنع طلي عذب دون اصلاح عملي. واخيراً في موسيقى «بيتهوفن» امل، وويل امة فقد شعبها الامل فهي عاجزة عن تأدية اي عمل كان يؤول الى ازدهارها، فاذا بدأت روح الشعور بوجوب اصلاح المجتمع تتغلغل في انفاسنا لنصغي الى الحان بيتهوفن وخاصة السمفونية التاسعة الخالدة التي تردد الصدى القائل: ثق وانت فاعل. وقد يكون لهذه الالحان الوقع الطيب في النفس لانها خرجت عن شعور حقيقي بمكانة الانسان تجاه المشاكل الشخصية والاجتماعية لا عن هوس وادعاء فارغ والامل في الحان بيتهوفن مراحل حتى اولها السعي ما وراء وجود الشخصية ثم اذا ثبت كيانها وجود الطرق التي ترسخ عقائدها في الطريق القويم المؤدي الى نهضة المجتمع اللبناني.


