معتدلة بين الانفلات والتقييد.
وما معسكر غالب تحسب له الغلبة نصراً تاماً، إلا اذا توافقت مبادئه مع مبادئ المعسكر الثاني العنيد، فاتحدا على وضع يحقق نجاح المعسكرين ويضمن رضا الرجل والمرأة على السواء.
اننا اليوم لا نريد ان نرجع الى حقوب خالية، حين كانت المرأة لا تعرف الا أنها اداة لهو، همها الأوحد الزينة والتبرج بدون هدف سام يحيا له قلبها، وبدون مثل عليا تلوح في افق بصيرتها وتحوم حولها افكارها. حين كانت كالرسوم المزخرفة تمر على صفحة الوجود وتمحى من غير ان تترك اثراً من اجداد، تألف في مياه الذكرى الانسانية، تأتي منها البشرية بقبس او تجسد هدى. اللهم الا ذرية عقيمة طبعتها بطابع خلقها الخاص، خلق لا رفعة ولا كرامة تسمو به، لانه وليد العبودية والاسترقاق.
ان المظاهر وبهارج الزينة، مهما كان لون المتعة التي توجدها فهي قصيرة الاجل لا تمتد الى ما بعد ساعتها. ولن تكون هي الاسباب التي تأخذ بناصر المرأة، ولن يكون منها الحافز الى الحيوية الدائمة، المستقرة فوق الذرى، المضاءة بعبقرية الفكر، وسمو الادراك، وشعلة الروح. ولن تكون هي سياج الوطن ومعقل الكرامة، وسام النهضات.
فحذار ايتها المرأة من ان تذهلك القشور عن اللباب. حذار من ان يحرفك تيار المدينة المتطرفة الزائفة، التي ترمي بحرمة البيت جانباً وتعز بوثاق الزواج وتهون عليها تفكك اواصر الاسرة.
فالاسرة ركن المجتمع، فاذا تصدع الركن انتشر القلق، وعمت الفوضى، وساد الخراب.
ونحن نعلم أن هذا التيار جرّ الى الحياة البوهيمية ونشر روح الاباحية الشاذة في بعض بلدان أوروبا قبل الحرب العالمية الاخيرة. وكان من اهم الاسباب التي ادت الى هزيمة شعوبها.
وليس للمرأة أفضل في الانزواء والانكماش والخمول في زوايا البيت، بل لتشارك المرأة مع الحركات الجارفة لتظهر جوهرها الاصيل من الكرامة، ولتتغالب مع الاعاصير الهائجة في هذا الاجتماع، لتنصر المبادئ الانسانية الرفيعة التي تعلو فوق تيارات الاهواء، فتصل
باقوامها الى التحرر الحقيقي المنشود، وفيه سمو وكرامة واطمئنان. والا فالتيار سيجرفها، والاعاصير ستجتاح كرامتها وهي في ضعفها وركودها كريشة في مهب الريح تجري الى غير غاية.
نعم ان مدينة الغرب ملأى من القيم التي يتعامى عنها المعارضون، ولا يرون الا ما هوى منها وتنافى مع المعقول.
فما علينا قبل ان نتعرف من المدنيات القديمة والحديثة، الا ان نصفي تلك القيم ونتخذها مصقولة وضاءة، فنبتنيها على اسس علمية صحيحة لتشيع في نفوسنا سنا الانطلاق وطمأنينة التقييد:
انطلاق الفكر والملكات الانسانية، وتقييد الميول والنزعات الحيوانية.
انطلاق العقول من التعصب والتحزب وسجن الخرافات، وتقييد الغرائز من التمرغ في بؤرة النفعيات.
انطلاق المشاعر في فضاء الجمال لتذوق رحيقه، وتقييد العواطف عن التحدر الى دركات القبح، كيلا تشوّه بمنعطفاته ودوراته وزلاته.
ايتها المرأة، قيدي نفسك بقيد الرفعة عن التبذل والاستهتار، ولا تطلبي الانعتاق من قيود الاجتماع الخلقية التي عرفها الشرق، والتي يتمسك بها ويغار عليها خوفاً من ان تتلاشى عن نسائه روح الخفر والصيانة، وخوفاً من ان تتخلى المرأة عن روح الامومة الصالحة، والبنوة الحنون، والزوجية المحبة العطوف.
أرفضي مشاركة الرجل في الجلوس الى طاولات الخمر والميسر، أرضي عنك الرجل أم غضب عليك، واطلبي ما هو اسمى من ذلك. اطلبي الحرية في الحقول العلمية، حيث يعيش العقل الانساني بآرائه الجريئة ومبادئه القيمة. ومن عيون المعرفة العميقة الصافية التي لا نهاية لها، انهلي ما تشائين واعتنقي ما تريدين، وليكن ايمانك بعقيدتك القوة التي تشحذ عزمك، وتنشط بروحك الى العلى. ثم اطلبي الحرية في الميادين الوطنية، واحملي من تبعاتها ومسؤولياتها ما تقدرين. وليكن الاخلاص رائدك والمنفعة العامة وجهتك، ثم لا تخافي لوماً. فالاخلاص والمحبة رمز للصلاح والنجاح.
وحينئذ تكون مساواتك مع الرجل في الحقوق والواجبات، في العلم والعمل، في
حمل تبعات البيت ومشاغل الوطن، وجهاد الاصلاح.
حينئذ تتحول التيارين من وجهتيهما المتماكستين، الى وجهة واحدة، صالحة للفرد والمجموع، نافعة للاسرة والوطن. واعلمي أخي مع المرأة الحكيمة لا يتنافران، وبيد المرأة الرشيدة لا تتماكس مصالحها، بل تتألف وتتوافق للاسعاد والاصلاح.
وهاك مثل اعظم امرأة في التاريخ الحديث مدام كوري مكتشفة الراديوم فقد عملت خارج بيتها، وجاهدت في حقول المعرفة وكانت الام المثلى والزوجة الوفية المحبة.
وهذا مثل امرأة عظيمة في التاريخ العربي هي أسماء ذات النطاقين. فقد كانت تحمل الزاد الى النبي صلى الله عليه وسلم وهو مختبئ مع ابيها ابي بكر في غار ثور في طريقهما للهجرة الى المدينة. فلم تخف صولة الاعداء الذين كانوا يومذاك يبحثون عنه ويريدون قتله وقتل اصحابه. ثم هذه هي نفسها الزوجة الفضلى والام التي شجعت ولدها عبدالله بن الزبير في حربه مع معاوية، وكانت له خير معين وسند. فهي مع كونها كانت محرومة من نعمة النظر قامت بما يتطلبه وطنها من الخدمة والجهاد وما يتطلبه بنوها من المساعدة والتشجيع بحزم وبطولة وإباء.
فمثل هاتين السيدتين العظيمتين، يبان مدى ما تستطيعه المرأة من الخدمة والعمل في البيت وفي شتى الميادين الخارجة عن نطاقه، بشرط ان تتسم بسمة الكرامة والنبل والصلاح.
