الاولى منها ، ترسم صورة ناطقة لعذابها كطالبة ومربية ، والفصل الاخير الذي يدور حول حبها للسيد « روشستر » يعد من صميم الواقع ويتناهى في سياق رائع ، وبيان بليغ آسر . ولقد استهدفت المؤلفة لحلة نقد شديدة آنذاك لصراحتها الجريئة التي اصبحت الان تعتبر من الامور العادية ! وها هوذا قد مضى على ظهور « جين اير ومرتفعات وذرئع » عام ١٨٤٧ ما يزيد عن المئة عام ، وما زالا منهلاً من مناهل الادب الرفيع ، ما يفتأ يروي كل قلب ، ويسعد كل روح . . . اولم يجللن ادق الخوالج الانسانية في إحساس عميق وذكاء نادر ؟
اجل ، لقد وجهن القصة توجيها سامياً حين ادرنها حول العاطفة البشرية وعرضها في صور رائعة ارتبط فيها الواقع المحسوس بالخيال الفسيح ، الى حد قال فيه احد مؤرخي الادب : « ان نجاح الشطر الاعظم من الادب القصصي في القرن التاسع عشر ، مدين لقصص هؤلاء الشقيقات ، بما يزخر فيه من قوة العاطفة . . . »
او ليست حياتهن ايضاً ، امثولة حية للاجيال ؟ هؤلاء اللائي صارعن البؤس والعلل ، والوحدة فالحرمان ؟ ولقد كافحت شارلوت اعصار الحياة مدى ثلاثين عاماً . كافحتها بالقيم الخالدة - بالشجاعة والايمان والامل - فتقلبت عليها ، والحياة كفاح دائم . . . واذ آوت للراحة ؟ في كنف زوج رحيم ، طاف بها طائف الموت بعد زواجها بشهور ، ولما تتم الاربعين من سني حياتها . . . وضوح الروض ، وجف الينبوع ، وخلا المحراب من عابده ، حين هبت رياح مارس عام ١٨٥٥ ، لتتلاشى في ثناياها آخر انفاس الشقيقات ، انفاس سرت الى الكون باضواء الفكر وعبير الروح ، لتستقر - في اسمي آياتها - معنى في النفوس وامثولة في الكفاح ، وسفراً في الخلود . . .

