عندما تُنعم علينا الطبيعة ونصبح آباء وامهات ، تغمرنا موجة من الغبطة والسعادة ونسعى بشوق ولذة الى تلبية كل ما قد يحتاج اليه طفلنا من طعام وكساء ، فنهيء وقعات طعامه بانفسنا ، ونعتني بتجهيزه بكل انواع الثياب ، وعندما يجتاز سنته الخامسة نأخذه بيدنا الى المدرسة ، ونفرح عندما نسمعه يغني مقطوعة ، او عندما نوقع على دفتر درجاته ، ونشهد تقدمه المحسوس - كل هذا واجب وجميل ، ولكن وجهاً من هذه الوجوه لا يزال مقتماً ولم نعره اهتماماً يذكر - الا وهو الوعي القومي ، فان معظم اطفالنا لاهون عنه ، جاهلون كنهه . وليس الذنب ذنبهم ، بل ذنبنا ، وعلينا النظر في كيفية انقاذ الموقف قبل فوات الوقت .
ليحب الطفل بلاده وليفضلها على كل بلاد اخرى . ويجب ان يُستدرج الطفل بما يسمعه ممن يتصل بهم من عبارات الاطراء للجمال الطبيعي في هذه البلاد : جبالها ، ثلوجها ، جوها ، احراجها ، وبحرها ... فينبه الطفل في كل مناسبة الى جمال هذه المظاهر الطبيعية وعندما ينشأ ، تصبح قيمها ومعانيها عزيزة على نفسه حبيبة الى قلبه ، لا يستبدلها بخير بلاد الله .
لنغرس في اطفالنا الاحترام لعلم البلاد ولنشيد البلاد ، وليكن لها في قلبه الصغير مقام رفيع لانها وان كانا في نظر البعض ، قشور الوطنية الا انها تتصل اليها بصلة ولها في حياة الطفولة قيمة وقدر .
عاد نبيل من احدى جولاته ، عصر احد الايام ، وحمل علماً لبنانياً مثبتاً على عصاً طويلة واعطى اختته « سنا » علماً صغيراً وصارا يمشيان كالجنود وهما ينشدان النشيد الوطني . وقد كانت هذه اللعبة احب الالعاب اليها . وبعد برهة تعبت سنا . فركبت عصا علمها بحيث بات العلم يكنس الارض وراءها وهي مستمرة في انشادها ، غير آبهة لما تفعل . فالتفت نبيل فجأة ، وهاله ان يرى العلم يُجر على الارض ، فانتشله من اخته رافعاً اياه الى فوق وقال : « العلم يجب ان لا يلمس الارض يا سنا . بل يبقى دائماً عالياً هكذا ... انت صغيرة لا تعرفين بعد ولكن اسمعي ماذا قال لي صديقي جون الاميركي ، لقد قال لي انهم اذا عتق عندهم علم وتمزق ، لا يرمونه كما ترمى الخرق بل يحرقونه لئلا يدوسه احد فما لو رمي على الطريق .
هكذا يبدأ الغربيون في غرس دروس الوطنية في قلوب اطفالهم . وان دروساً كهذه ، رغم تفاهتها تهم الاطفال وتلعب دوراً في حياتهم الساذجة . وهاكم حادثة تبين كيف تطبق هذه الفكرة في رياض الاطفال :
عصام طفل في الروضة ، كله حيوية ونشاط ، لكنه مزعج لمن حوله على الدوام . لم تنفع معه الطرق التربوية وبقي مستهتراً ، متمرداً على القانون . وكان الاطفال قد اعتادوا ان يحيوا العلم وينشدوا النشيد الوطني كل صباح قبل المباشرة باعمالهم . فقامت المعلمة ونادت عصاماً وفاجأت الاطفال بقولها :
« ان عصاماً سيحمل العلم هذا الصباح وسيحسن تصرفه طوال يومه . وكلما استحق هذا الشرف فاني سأمنحه اياه دون تأخر » .
وحمل عصام العلم بفخر . وكان يومه ذاك درساً قاسياً في قوة الارادة وانتصر اخيراً واستمر على التحسن يوماً بعد يوم حتى اصبح قدوة لغيره من الاطفال . فكم مدرسة من مدارسنا يرفع فيها العلم اللبناني ويُحيى كل صباح ويُنظر اليه هذه النظرة العالية ؟ الا توافقون معي بان اعتبار حمل العلم كمكافأة للاطفال وسيلة تشويق لحثهم على تحسين حالهم ، ترفع قيمة العلم في اعينهم ، فيحفظون له في اعماق قلوبهم معنى يليق به ؟ وماذا يضر لو اقتبست هذه العادة في جميع رياض الاطفال والمدارس الاولية في بلادنا ؟ اللهم ما كان وطنياً منها ، لاننا لا نأمل من المدارس غير الوطنية ان يكون جوها مشبعاً بهذه الروح . ولذا يخرج تلامذتها - مع الاسف - يشعرون بكل شيء الا بهذه العزة القومية .
جميعنا نحب تعلم اللغات الاجنبية ونحب ان نرى اولادنا يتقنونها قدر المستطاع ولكن لا يجوز ان تصبح احاديثنا ومكاتباتنا العائلية بغير اللغة العربية . ان معظم التلامذة في مدارسنا يحيون بعضهم بـ « Bon jour » او « Good Morning » واذا نبههم احدنا الى تحية « صباح الخير » او « مرحبا » او « السلام عليكم » والى ما في هذه التحيات من جمال وموسيقى وعزة قومية ضحكوا واعتبروا ملاحظتنا من قبيل النكتة او من مظاهر التعصب - ذلك لان الوعي القومي مفقود عندهم ، فلم يصدف ان تلقنوه في بيوتهم او في
