من مظاهر النفوس الضعيفة ، انها اذا تسلطت عليها عادة او فكرة او عاطفة ، استأثرت بها واستعبدتها وجعلتها آلة مسخرة عاجزة عن التفكير والانضباط . مثال ذلك عادة التدخين او السكر التي تتحكم في بعض الناس فتجعلهم عاجزين عن الاستغناء عن السيكارة او الكاس يوماً واحداً بل ساعة واحدة .
من هذه الظواهر المرضية آراء واوهام تستولي على فريق من شبابنا وكهولنا فتصبح عندهم ضرباً من الهوس الذي يقتصر مظهره على الكلام والهياج ولا يتعداه الى العمل المحسوس . وذلك امر طبيعي لان الطاقة تضيع حينئذ في الثرثرة العاطفية بدلاً من العمل المنتج ولان العاطفة ، في نظر السيكولوجيين ، اذا استولت على الانسان اعمت منه العقل والبصيرة وكبلت يديه وحالت بينه وبين العمل المجدي .
ويح الالفاظ . ما اشد تلاعبها بعقولنا وكم لها بيننا من صرعى . كم من معركة دامية حدثت لان فلاناً سب دين فلان او شتمه وشتم امه او دعا عليه . الفاظ فارغة تفعل في نفوسنا فعل السحر فتلهب فينا الحماس الفارغ وتهيج عواطفنا . وماذا وراء العاطفة ؟ خصام ونزاع ثم لا شيء .
الالفاظ . اهمس في اذن بعضهم مثل هذه الالفاظ السحرية المتداولة بيننا : لبنان - العرب - الشيوعية - الحزب القومي ... وراقب تغير الملامح الذي يحدثه تسارع النبضات واضطراب الغدد الصماء وارتفاع معدل افرازها في الجسم . ثم حاول اثارة النقاش في الموضوع تجد سيول الالفاظ تتدفق عليك من كل جانب ويحتدم الجدال ويتصاعد الدم الى الرؤوس وتكثر الاشارات وترتفع الايدي بالتهديد ، وقد تنقلب المعركة الكلامية الى معركة خناجر وعصي . ولكن ماذا وراء ذلك كله ؟ اي عمل منظم ؟ اي نتيجة ؟ لا شيء .
اريد ان اتخذ مثلاً اولئك الذين استهواهم هوس « اللبنانية » بين انواع الهوس وقلقستهم العقيدة ان لبنان محور الدنيا وقطب الدائرة ومبعث انوار العلم والثقافة في الخافقين . ولو احصينا عدد القصائد والازجال والمقالات وقناطير الخطب والمقالات التي تناولت هذا الموضوع لاسفنا على الحبر المراق والورق المتلف والوقت المضاع . واراهن ان بين المتبججين بلبنانيتهم المستعدين لاراقة دمائهم لاجل لبنان من سيكونون اول من يبيع ارضه للصهيونيين حين يحولون وجوههم شطرنا .
قالوا لبنان مركز الثقافة وموطن الرقي . ورحت اتساءل اين هذا الرقي ؟ بماذا يستطيع ان يتباهى لبنان ؟ اَبجامعاته ؟ وليس له سوى جامعتين اجنبيتين تفرض عليه كل منهما لون الثقافة ونوع العلم الذي تريد فلا يستطيع الا ان يقبله على علاته ، بغثه وسمينه ، فضلات علوم الغرب وفتات موائده .
والامر نفسه يصدق على مدارسه العالية فمعظمها اجنبي يؤدي رسالة تخدم اصحابها اكثر مما تخدمنا .
بماذا يتباهى لبنان ؟ أبادبائه ؟ وهو اليوم عاجز عن انتاج الادباء . لان الاديب
