كانت السيدة التي دخلت على الدكتور النفساني «ادوين» في عيادته في حالة محزنة من الاضطراب والتلاشي تكاد رجلاها تنوآن بذلك الجسد النحيل المتهاوي المتخاذل... فهي تشكو من كل شيء، من اعصابها المحطمة، من اوجاع لا تعرف اين تلمسها في جسدها، ومن آلام تمزق نفسها... وتريد شيئاً يخلصها من اوجاعها وآلامها ويرد لها هدأة اعصابها.
ولكن الدكتور لم يكن عنده من دواء لهذه المريضة اليائسة، فهي في يأسها وانحطاطها وانعدام املها مريضة في آخر نقطة من دمها... مريضة وهم يحيم في كل زاوية من زوايا نفسها... واخذها من يدها برفق، واجلسها على مقعد جميل، وراح يهدىء من ثورة اعصابها، ثم التفت اليها بصرامة هادئة رزينة واثقة، وقال لها بصوت عميق: «سيدتي لست مريضة كما ترعبين، ولكنك ضعيفة امام اوهامك...
ان اوهامك هي التي تتغلب عليك فتهدم اعصابك وتحطم نفسك، وان لم تتغلبي على هذا الضعف النفساني، تظلي مريضة في نفسك الى الابد ولن يشفيك طبيب ما، وانما شفاؤك في يدك انت وحدك. تغلبي على ضعفك، انزعي هذه الوساوس من رأسك، اذا شئت ان تكوني جديرة بالحياة».
واكمل الدكتور ادوين قائلاً: «كانت سيدة مقيمة في احد الفنادق الفخمة، فدعت المدير الى غرفتها وصاحت في وجهه منفعلة ساخطة قالت: «ايها المدير انني ارى بقعاً سوداء تتراقص امام عيني ويكاد يغمى علي. وسبب ازعاجي ان جاري في الغرفة المجاورة لا يفتأ منذ الصباح الباكر،
يضرب على البيانو بشكل ينزفز اعصابي، فاذا لم تسارع الى ايقافه عن هذا العزف البليد فانني سأتلاشى واحمل الى المستشفى وتكون انت المسؤول!
فابتسم مدير الفندق واجابها بأدب وهدوء: «حبذا لو كان باستطاعتي ذلك يا سيدتي فانا لا اجرؤ على مقاطعته لانه يتأهب لاحياء حفلة كبرى هذه الليلة في قاعة «سمفوني» - انه پادیرويسکي العظيم!».
فارتاعت السيدة وهتفت: «احقاً انه ذلك الموسيقى العالمي؟!» وما كان من تلك السيدة التي كاد يغمى عليها منذ هنيهة، الا ان اسرعت الى التلفون واستدعت بعض صديقاتها للحضور حالاً والاستماع الى هذا التوقيع المدهش واصبحت غرفتها بعد ساعة غاصة بالمستمعات وهي بينهن تثني وتطنب في وصف هذه الانغام السماوية!
«ان شيئاً من الوضع لم يتغير اردف الدكتور ادوين: «سوى نظرة المرأة اليه، وهكذا انت يا سيدتي.. مريضة وهم... وشفاؤك في يدك!»
ما من شك في ان هنالك صلة وثقى بين الامراض الجسمانية والامراض النفسانية الشبيهة بهذا الوضع. وان الامراض التي تتأتى عن سوء الحالة النفسانية هي اعم من الامراض التي تكون الجراثيم سبباً لها. فالاجسام في الاصل مسلحة الى حد ما، بمناعة طبيعية، لكن من المحتم ان هذه المناعة تضعف حتى تنعدم اذا استسلم صاحبها
للحقد او الكره. وعندئذ قد يعرض الانسان حال تعرضه للجراثيم.
لقد برهن الزمن ان ابا الطب ابقراط، كان مصيباً عندما اعلن منذ اربعمئة سنة قبل المسيح، ان الغضب والخوف يفرزان سماً في الدم. وان شخصاً سليماً من اي مرض قد يصاب بالشلل المؤبد نتيجة استسلامه للتفكير في خطة انتقامية تقض مضجعه ثم لا تلبث ان تجر عليه الويل.
ما سمعت قصة من هذا النوع الا ورددت في قلبي صلاة قديمة اعرفها وهي: «ربي، هبني قوة لاغير الخطأ الذي اقدر عليه، وشجاعة لاواجه الخطأ الذي لا اقدر على تغييره، وحكمة لأميز بين الاثنين.»
عندما تدهمنا المصائب وتنسد في وجوهنا سبل الفرج رغم كفاءتنا ونشاطنا، انرزح تحت نير الحزن واليأس ونستسلم للقضاء الذي لا مفر منه ام نجابه الواقع بشجاعة متغلبين على يأسنا وضعفنا؟
انا لا انكر انه من الصعب ان نخلق لانفسنا النظرة الملائمة للوضع الذي نريده والذين يتمكنون من التغلب على نفوسهم فيخلقون الجو الرائق الصافي، هؤلاء هم اصحاب الارادات الجبارة القهارة... وان الشجاعة شيء لا بد منه للذين يفتشون عن الحياة وليس عن العيش وان الانسان، في سبيل الوصول الى الغاية التي يتوخاها، عليه ان يتنكر
— تتمة في الصفحة ٤٦ —