وقف الانسان الاول امام الطبيعة واصغى فسمع زقزقة العصافير وخرير السواقي وحفيف الورق فوقع كل ذلك من نفسه موقعاً حسناً واخذ يقلده ، فكانت الموسيقى .
ونظر حوله فرأى ازهاراً وثماراً متعددة الالوان من احمر الى برتقالي الى اصفر ورأى مروجاً خضراء وارجوانية ووقع كل ذلك من نفسه موقعاً حسناً واخذ يقلده فكان التصوير .
وراح الانسان يتطور في فهم الموسيقى فادرك ان هذا النغم الذي يقلد به اصوات الطبيعة يستطيع ان يعبر بواسطته عن حالات نفسية ، من حزن وكآبة ، وفرح وانتصار ، اعمق وابعد اثراً من التقليد . فتوصل من هذا الى الموسيقى التجريدية التي تصور حالات النفس واختلاجاتها .
اما في التصوير فان الانسان ظل مقيداً باشكال الطبيعة فلا يصور لوناً الا مرتبطاً بشكل ما . فالاصفر مرتبط بلون الليمون ، والاحمر بلون الورد ، والازرق بلون البحر . فاكتشف بعد ذلك ان التلاعب بمزج الالوان يمكن ان يعبر عن الحالات النفسية كما تعبر الانغام عنها - ولقد بدأ المسرح يستغل التلاعب بالالوان لخلق جو عاطفي معين كما كان يتلاعب من قبل بالموسيقى . واسياد هذا الفن سيكتشفون انه
بامكانهم ان يسكروا العين (بيلوديا) من الالوان كما تسكر الاذن (بيلوديا) من النغم .
فالعين هي ادق الحواس احساساً اذا استطاع الفن ان يكتشف سر تأثير اللون عليها . ومن هنا اتجه العلم الحديث الى اكتشاف الاسس العلمية التي تساعده على الاستفادة من التلاعب بالالوان الى ابعد حد ممكن ، ليس في التصوير فحسب بل في حياتنا اليومية .
وليست مبادئ استعمال الالوان بالمبادئ الصعبة الفهم فيمكننا ان نربي اطفالنا عليها منذ الصغر فتصبح ملكة مثلما النطق ملكة . فنحن الى اليوم نهمل هذه الناحية من تربية اطفالنا لاننا نجهل اهمية الفنون في حياة الطفل . فاننا نستطيع بواسطة الفنون ان نرفع ذوق الطفل الى ارفع مستوى من التذوق . فلو قابلنا بين الطفل عندنا والطفل عند اهل الغرب نجد ان الطفل عندهم يعرف الكثير عن اصول الموسيقى والتصوير لان روضات الاطفال والمدارس الابتدائية تدربه على شيء من ذلك واهله يصطحبونه معهم الى المعارض الفنية والى حفلات الموسيقى وهو فوق ذلك يجد من اهتمام اهله واحاديثهم في هذه المواضيع ما يفتح عقله وينبهه الى اهمية هذه النواحي ويثير عنده اللذة في الاهتمام بها .
وعندما يكبر فهو اما ان يظل جاهلاً لهذه الفنون وجاهلاً لجهله لها ، او ان ينتبه الى اهميتها فيجد انه غريب عنها ويلزمه التدريب الطويل قبل ان يصبح قادراً على تذوقها وفهمها .
ان هذه الاصول اذا عرفناها تدخل في صميم حياتنا اليومية وتصبح عند اطفالنا شيئاً ينشأون عليه كما ينشأون على تعلم النطق .
ولهذا فسأحاول ان اعرض في هذه الدراسات بصورة تدريجية بعض الاسس التي يقوم عليها هذا العلم ، فان درس اللون اذا اتبع بصورة تدريجية منظمة يمكن لأي كان ان يصبح سيداً في استعماله .
نستطيع ان ندرس اللون من اربع نواح :
اولاً - من الناحية الفيزيائية التي تعرفنا بماهية اللون ، ما هو ولماذا نرى في الطبيعة الواناً .
ثانياً - من الناحية النفسانية التي تعرفنا الى اسباب تأثير اللون في النفس البشرية وكيف يؤثر .
ثالثاً - من الناحية الكيميائية التي تعرفنا الى خصائص الاصباغ الملونة وطريقة مزجها وكيفية الحصول عليها .
رابعاً - الناحية التشريحية التي تعرفنا الى طريقة تقبل العين للالوان وكيف ان بعض الناس يصعب عليهم ان يروا بعض الالوان لاختلاف ناتج عن تركيب شاذ في العين .
اما الناحية الكيميائية والتشريحية فلا تقع ضمن دائرة بحثنا . فان ما يهمنا التشديد عليه هو الناحية الفيزيائية التي تتعلق بكيفية معرفة اللون وتدريبها

