صحيح ان علينا ان نعتبر الحمل الذي يدوم تسعة اشهر عملاً فسيولوجياً سوياً ، ولكن الحقيقة انه ليس كذلك دائماً ، ذلك بانه في ابان هذه التسعة الاشهر من الحمل قد ينشأ عدد من الاشتراكات التي تجعل من هذا الحمل عملاً مرضياً غير سوي ، وليس ادل على هذا من ان حوادث النزف الرحمي بانواعه ، والتسمم والاكلمبسيا ووجود الزلال في البول اثناء الحمل قد اودت بحياة كثيرات من الامهات . لهذا كله لا يمكننا ان نعتبر ان الحمل ، الذي يجب ان يكون في الاساس عملاً فسيولوجياً سوياً ، يمكن ان يبقى كذلك بصورة مستديمة .
والقول نفسه ينطبق على عملية الوضع ، اذ ان انواعاً مختلفة من الاشتراكات قد تجعل من المرأة ، بعد الوضع ، عليلة واهنة القوى ، ان لم تؤد الى موت الجنين او موتها هي نفسها . والامثلة على ذلك كثيرة ، منها تمزق الرحم اثناء المخاض ، واوضاع الجنين غير السوية ، وتمزق الاعضاء الحوضية .
اما بعد الوضع فقد يؤدي اهمال المولد وعدم تعقيمه للادوات الطبية المستعملة ، على اختلافها ، الى انتشار العدوى في الدم ، ومن ثم الى حمى النفاس في اغلب الاحيان .
ليس لدينا احصاءات دقيقة تدل على عدد الوفيات التي تحدث اثناء الحمل او حين الوضع او بعده ، ومرد ذلك الى انه لم تقم في البلاد العربية حتى اليوم هيئة حكومية او طبية بدراسة منظمة لهذه الغاية . غير ان الثابت
بوجه عام ان عدد الوفيات في هذه الظروف لا يستهان به ، وذلك لاسباب عديدة ، منها ان اكثر اطبائنا يعتبرون الولادة شيئاً عادياً بسيطاً لا يستحق الاهتمام الخاص ، ومنها قلة الاطباء الاختصاصيين ، وعدم توفر دور عامة للتوليد يتسنى لفقيرات الامة الدخول اليها والاستفادة مما فيها من العناية والوسائل الطبية الحديثة التي تبعد عنهن اخطار الولادة في جو غير طبي او صحي . ومن الاسباب الاخرى ما لا يقل عن هذه اهمية ، كجهل القابلات واستخفاف الرأي العام باهمية الولادة وبصحة المرأة الحامل ، وهذا يرجع الى عدم توفر المعلومات الصحية الكافية عن هذا الموضوع عند عامة الناس .
ليس من شك في ان واحداً من اهم المقاييس لرقي الامة ونهضتها هو مقدار العناية التي تحيط بها الحامل جنينها الذي هو فتى المستقبل او فتاته . ان صحة الحامل في الحق تنبئ عما ستكون عليه صحة الطفل . فنحن لا ننتظر مثلاً ان يكون طفل المرأة الحامل المصابة بمرض كالسل او فقر الدم او الزهري الا ضعيفاً عليلاً ، هذا بالاضافة الى ان حملها في هذه الحالة ضار بها هي نفسها .
ولعل باستطاعتنا ان نتساءل لماذا وقف الطب عاجزاً عن ان يمنع الموت عن الآف الامهات كل عام ، في حين تمكن من القضاء على امراض مختلفة واحداً بعد الآخر .
صحيح ان اللوم في عدد كبير من
هذه الوفيات يقع على النساء انفسهن ، فالاهمال والجهل عاملان قويان من العوامل التي تؤدي الى خسارة كبيرة في الارواح هذه الخسارة التي يستطيع النساء انفسهن ان يتفادينها . ولكن من الحق كذلك ان قسطاً كبيراً من هذه الخسارة يمكن تفاديها عن طريق التقدم في حقل التوليد .
والواقع ان نسبة قليلة جداً من نساء البلاد العربية يتاح لها الفحص الطبي الكامل اثناء الحمل . وانما اقصد بالفحص الطبي الكامل اثناء الحمل الوقوف على حالتها الصحية العامة ، ومراقبة التغيرات التي تحصل اثناء الحمل ، ووضع الجنين ، وحالة الكليتين والقلب ، وضغط الدم ، واخذ قياس الحوض الخ ... كل ذلك بصورة دورية منتظمة ، بحيث لا تدخل الحامل مرحلة الوضع ارتجالاً .
اننا بحاجة ماسة الى مستوصفات في المدن تعنى بالحامل بوجه خاص ، والى مستوصفات نقالة تتجول في القرى تصحبها ممرضة او طبيب اختصاصيان ، والى مستشفيات للتوليد مجهزة بأحدث الادوات والوسائل الطبية ، ويشرف عليها اطباء اختصاصيون في هذا الفن . كما اننا يجب ان نحصر مهنة التوليد في الاطباء الاختصاصيين والقابلات الاختصاصيات ، منعاً للحوادث الكثيرة المؤسفة التي يسببها جهل القابلات غير القانونيات بأصول هذا الفن .
فماذا اعددنا ، في لبنان مثلاً ، لسد هذه الحاجات ؟ انا لا انكر ان هناك مستشفى واحداً اجنبياً صغيراً للتوليد في بيروت ، وان هناك بضعة مستشفيات خاصة صغيرة تقوم بجميع انواع الجراحة ولا يتاح الدخول اليها الا لعدد محدود من القادرات على الدفع . ولكنك لن تستطيع ان تجد في لبنان كله مستشفى


