
في مساء ذات يوم من أيام الصيف الهادئة حينما توارت الشمس وراء التلال الغربية، عادت ام صالح العجوز في طريقها من السوق الى منزلها وقد امسكت باحدى يديها سلة مملوءة بالسكر والشاي والنشا والصابون، وحملت على كتفها عصا طويلة تدلى منها دجاجتان لونها اسمر. ولم ترتح الدجاجتان لنقلها بهذه الطريقة لانها اعتادتا ان تكون الارض - لا السماء - تحت موطى اقدامها. فرمشتا بعيونهما ولم تفوها بكلمة واحدة وواصلت ام صالح مسيرها وقد اضناها التعب. وفي هذه الاثناء كان الثعلب الاحمر يستنشق نسيم المساء العليل وراء اشجار التين الشوكي. ومن ثم رفع بوزه الطويل على حين بغتة وراح يشم فيما حوله فقد وصلت الى خياشيمه رائحة الدجاج. وسال لعابه عندما جال هذا الخاطر بفكره، فتطلع بمنخاره بين ثنايا اشجار التين وهناك شاهد ام صالح وهي تسير ببطء في الطريق المتربة وقد حملت الدجاجتين اللذيذتين. فأهاج منظرها من شهية ولكن اني له الوصول اليهما. وهز رأسه مرة فمرتين، وسار خلف سور اشجار التين في موازاة طريق ام صالح.
فلما اجتازت ام صالح عطفة الطريق شاهدت ثعلباً ذا فراء جميل احمر منطرحاً في قارعة الطريق جثة هامدة. فوضعت سلتها على الارض ونظرت اليه في دهشة ثم قالت: «يا لها من قطعة فراء جميلة.» ومن ثم عادت فاخذت سلتها وتابعت سيرها. وسرعان ما ابتعدت ام صالح عن العيان حتى انتصب الثعلب الاحمر على قدميه وتوارى خلف اشجار التين الشوكي. ومر بام صالح ودجاجتيها المعلقتين بالعصا، وكانت لا تزال تواصل سيرها نحو منزلها بجهد واعياء. وكان عليه ان يكون سريعاً، اذ لم تكن هناك غير عطفة اخرى في الطريق، فتسلل من الحقل وانطرح مرة اخرى في الطريق وتظاهر بانه جثة ميتة. فلما قطعت ام صالح العطفة كادت تسقط فوق جسم الثعلب فصاحت قائلة «يا لله. هذا ثعلب آخر ميت. لا بد ان الطاعون متفشي بين الثعالب. ولكن جلدي ثعلبين يصلحان لصنع سجادة جميلة لفراشي. سأترك حملي هنا واذهب لاحضار الثعلب الثاني.» وقرنت القول بالعمل.
فاذا فعل الثعلب الاحمر؟ لقد انتصب على قدميه بسرعة البرق وخطف العصا ومعها الدجاجتين ومضى في سبيله متبختراً تحت جنح الغسق - فلما عادت ام صالح الى سلتها هزت رأسها وتنهدت قائلة: «ان العالم زاخر باللصوص فهم لم يكتفوا بسرقة ثعلبين، بل انهم سرقوا الدجاجتين. تباً لهم من مجرمين اشرار.» وسارت في طريقها ببطء نحو منزلها الصغير القائم فوق التل. ولم تكد ام صالح تصل الى منزلها وتهم بفتح بابه، حتى سمعت الثعلب الاحمر ينادي في الظلام زوجته التي وقفت بانتظاره في بطن الوادي. فتجهم وجهها غضباً، ولا عجب ان تتميز غضباً، فقد كان الثعلب الاحمر يترنم بالاغنية التالية:

