هل للبنان رسالة؟
لا أحب أن أقف في موضوعي السابق عند حد النقد السلبي بل أرى من واجبي أن أنتقل الى بعض آراء عملية قد يكون في اثباتها بعض الفائدة.
لكل بقعة من الارض ميزاتها وامكانياتها كما ان لكل شخص في الوجود صفات ومواهب خاصة يستطيع اكتشافها والافادة منها اذا كان من الاسوياء. كذلك للبنان ميزاته ومؤهلاته التي يستطيع رغم صغر حجمه ان يستثمرها الى اقصى حد وبغير هذا الاستثمار لا يستطيع لبنان ان يثبت وجوده ولا ان يكفّر عن خطايا الدعاة فيه وحملة الطبول والابواق.
يتمتع لبنان بمناخ ممتاز وجمال طبيعي فائق اوحى الى الشعراء منذ عهد التوراة الى عصرنا الحاضر. ينفرد عن كل بقعة حوله بجباله الشمّاء التي تعانق السحاب من جهة وتمتد حتى تصافح البحر. صخور أزلية انبتت الارز والنسور فيما مضى ولا تزال تنجب الفتيان المفتولي السواعد الذين نلمس في وجوههم هذا النشاط المتدفق يبذلونه سعياً وراء الفلس وقد كان بالامكان توجيه بعضه الى مثلٍ اعلى من الفلس.
ولبنان بكونه بلداً ساحلياً كان منذ القدم - منذ عهد فينيقيا - يتطلع الى الغرب ويحقّق معه التبادل الثقافي ولا يزال بين الاقطار العربية اكثرها اتصالاً مباشراً بالغربيين ليس فقط لموقعه الطبيعي بل ايضاً بواسطة هذا السيل غير المنقطع من المهاجرين الذين يؤلفون بينه وبين الغرب صلة مستمرة سواء بعودتهم الى الوطن ام برسائلهم وامداداتهم المادية والمعنوية.
هناك عوامل اخرى تميّز لبنان وتجعله اقرب من غيره الى حمل لواء الحركة التحريرية: انه في وضعه الحاضر حديث النشأة قريب من الطبيعة اقل تأثراً بالتقاليد وباوضاع عصور الانحطاط واقل استعباداً للماضي وقيوده وقد نشأت في قراه الجبلية العالقة بالصخور فكرة الاستقلال الحديثة الى جانب فكرة الانعزال القديمة التي لا تجاري متطلبات العصر الحاضر. ثم انتشرت فيه المدارس الاجنبية ومثيلاتها بكثرة غريبة فكان لهذه المدارس - الى جانب مساوئها المعروفة - محاسنها في نشر اساليب المعيشة الغربية بين السكان وشيء من مظاهر حرية الغرب وطرق تفكيره.
كل هذا - بالاضافة الى موقعه المتوسط بين الاقطار العربية - يهيئه للقيام برسالة بدأت على ايدي زعماء النهضة في القرن الماضي وادباء المهجر في مطلع هذا القرن. رسالة بناء واصلاح ينتظر من لبنان في عهده الاستقلالي ان يتناولها ويتابعها متخذاً من اعمال السلف أساساً يبني عليه.
١ - لبنان والبعث اللغوي
لا نستطيع ان نقول بوجود حركة تحرر أو نهضة حقيقية في اي من اقطار الشرق ما لم نلمس في هذا القطر بوادر حركة بنائية تؤثر الهدم على الترقيع وتقوم على اكتاف الشعب والحكومة بمعزل عن القيادة الاجنبية.
اي انواع البناء يجري عندنا بصورة واسعة النطاق؟ الاقتصادي؟ الاجتماعي؟ الثقافي؟ قد تكون هناك خطى ضئيلة في كل من هذه السبل لكن الواقع أننا لا نرى لها أثراً واضحاً. ومع العلم بان البناء في وجوهه الثلاثة يجب ان يسير في آن واحد نظراً لصعوبة الفصل بين اجزائه المختلفة، اود ان اشير الى البناء الثقافي الذي نجد لبنان مهيّأ له بصورة خاصة اذا اراد الاستفادة من ميزاته الطبيعية والاجتماعية ومن الاساس الذي تسلّمه من قادة يقظته المشار اليهم سابقاً.
كل اصلاح فكري يجب ان يبدأ باصلاح اللغة لانها آلة الفكر في جميع وجوهه. لا ازال اذكر عبارة صدّر بها كتابه شاعر لبناني متفرنس وكأنها خرجت من اعماق نفسه: «ما اتعس شعباً لا لغة له!» عبارة قد ينظر اليها المتهوسون نظرة غضب واحتقار متهمين صاحبها بالشعوبية. لكن المتأمل الواعي يرى في هذه العبارة يأس النشء الحديث من لغة لا تستطيع ان تفرض ذاتها على اهليها ليس فقط لأنها لا تجد من يدرّسها بطريقة عصرية جذابة او عملية - لا في المدارس ولا في الكتب ولا في هيئات التعليم - بل ايضاً لأنها هي نفسها في قواعدها وطريقة كتابتها ونقص مفرداتها والبون الشاسع بين الفصحى منها والكلامية، لا تجاري العصر الحاضر ولا تؤلف اداة صالحة للتعبير.
كان لبنان مهد البعث اللغوي، فيه ظهرت اول حركة لتحرير اللغة وتجديد الانشاء وتبسيطه على ايدي اليازجي والبستاني والشدياق وزيدان وضومط والشرتوني - هؤلاء الذين تتحقق مآثرهم بمراجعة مؤلفاتهم - ولبنان الحديث بما فيه من مظاهر تحررية وبكونه اقل ارتباطاً من غيره باساليب عصور الانحطاط ودعاة الجمود اللغوي، خليق بان يتابع رسالته اللغوية ويقوم بالخطوة الثانية لتحرير اللغة داعياً باقي الاقطار العربية الى المساهمة في المشروع.
في لبنان عدد من اللغويين والباحثين الذين تستطيع وزارة التربية ان تكلّفهم القيام ببعض الجهود في سبيل تبسيط القواعد والكتابة. لكن المشروع على خطورته يحتاج الى جهود اوسع
